العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

أشكال الكتاب وشبح اللغة الرقمية

أشكال الكتاب وشبح اللغة الرقمية

هجرة الشباب بين طلب العلم وأحلام البحث عن عيش أفضل

فاطمة عطفة

كاتبة سورية

الجهد في التحصيل العلمي كان كبيرا، ولا حدود لمعاناة الطلاب في القرى قبل انتشار الجامعات في أنحاء المدن السورية، كما هي الحال اليوم. وكانت الغربة تثقل قلب صاحبها ولو بالسفر من إحدى القرى إلى دمشق أو حلب. هكذا كانت النظرة إلى البعد عن الأهل، ومن كان يسافر إلى دمشق يعادل السفر في أيامنا هذه إلى إحدى الدول الأوروبية. وكان وما زال صوت فيروز المخملي يلازم كل الأخيلة قديما وحاليا. وفي واحد من تلك الأيام البعيدة، كانت دموع الشاب منذر تنهمر بغزارة، عندما غادر قريته ليلتحق بدراسته الجامعية في كلية الهندسة بدمشق، بعد أن حصل على معدل يؤهله لدخول هذا الفرع، ولم تكن دراسة الهندسة متاحة إلا في جامعتي دمشق وحلب، ودمشق هي الأقرب والأنسب لأن أخته الكبرى تقيم في العاصمة.

ويوم جاء الشاب إلى بيت أخته للإقامة والدراسة، وليس لزيارة عابرة، رحبت به وخصصت له غرفة الضيوف المجاورة للحديقة الصغيرة، وكان مثل قطرات الماء التي أنعشتها في غربتها وبعدها عن بيت أهلها. هكذا انضم الأخ الحبيب إلى بيت أخته الجديد. وتقول الأخت لن أنسى أنه في أحد الأيام، وعلى صوت فيروز وهو يلامس الروح في أغنية “ياجبل البعيد خلفك حبايبنا” لمحت دموع الشوق تهطل من عيني الشاب الذي ترك أمه وأباه ومسقط رأسه ليأتي إلى دمشق طلبا للعلم، لكن مشاعر الشوق ولهفة الحنين للأهل يرافق أي إنسان حتى لو كان اغترابه للبحث عن العلم. وهنا أتساءل كم شابا أو فتاة تذرف دموع الشوق لمدينتها أو قريتها ولأهلها، وكم من أهلنا المهاجرين الفلسطينيين أو السوريين أو اللبنانين وغيرهم كثر يغادرون لطلب حياة أفضل، ولكن هل ستكون الأفضل فعلا؟ نعم، من أجل العلم يمكن التضحية وتحمل الغربة طوال سنوات الدراسة، ثم العودة للمساهمة بالنهوض ما أمكن بمشاريع الوطن.

الآن في ظروف كورونا والحروب التي شهدتها سوريا والملايين من أهلها توزعوا في بلدان شتى بهدف أو بدون هدف، هربا من واقع ظالم فظيع لا يطاق، أو جريا وراء حلم يمكن أن يتحقق أو لا يتحقق من أي شيء. لكن السؤال خلال هذه السنين، ماذا عن نفسيات هؤلاء المغتربين وأحوالهم في بلاد الله الواسعة؟ هل مسموح لنا أن نتساءل عما يحصل لهؤلاء الشباب الذين هجوا من ويلات الحروب، أو وراء طلب الأفضل في كسب العيش والسلامة، ما هي ظروفهم؟ وكيف ستكون أحوالهم النفسية بعد سنوات؟ طبعا المهندس منذر بعد أن أمضي سنوات الدراسة الخمس، عاد إلى مسقط رأسه وبنى مشروعه الهندسي الناجح واستقر مع أمه وأبيه في رغد الحياة الهادئة والناجحة، ثم بنى أسرته الصغيرة وسهر على رعايتها لتواصل بناء حياتها بالعلم والعمل. لكن الزمن تغير، وهذه القصة وأمثالها صارت من ذكريات الماضي.

هل يمكن لأولادنا الذين هاجروا إلى كندا وألمانيا وفرنسا وغيرها أن يعودوا إلى حضن الوطن، بل حضن المدينة أو القرية التي احتضنت طفولتهم وشبابهم؟ إن قلبي يعتصر على غربة الشباب وعندي تساؤلات لو وفرت دولهم حياة كريمة لشبابنا هل يمكن أن يهجوا من الوطن ويعطوا جهودهم للمجهول. أين يكمن الداء في هذه الظاهرة.. وأين نلتمس الدواء؟ هل سياسات الدول المتقدمة في العالم هي وراء ما يحدث من خراب في بلدان التخلف المتخبطة في أحوالها تحت قناع (الدول النامية!) أم أن الظروف القادمة من وراء ستائر الغيب هي التي تسبب هجرة الشباب وضياعهم بعيدين عن أهاليهم. لنترك الغصص مخفية في القلوب، لأنها أهون من الشماتة.

About Post Author