العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

ماذا وراء دعوة آبي أحمد مصر والسودان للتعاون؟

ماذا وراء دعوة آبي أحمد مصر والسودان للتعاون؟

ماذا وراء دعوة آبي أحمد مصر والسودان للتعاون؟

الكاتب السياسي : وليد وفيق – جمهورية مصر العربية

لمحاولة فهم واستيعاب حقيقة خلافات مصر مع أثيوبيا حول مياه النيل. يجب علينا أولا، استيعاب الخلفية التاريخية كخطوة ملحة، ضرورية لتفهم عمق وأصول المشكلة ولإختيار البدائل الممكنة، لحلحلة الأزمة وكيفية التعامل معها، بداية هذه الخلافات لم تكن فقط مع أثيوبيا نفسها، بل كان وراءها القوى الكبرى فى ذلك الوقت ومحاولة استخدام أثيوبيا لضرب استقرار مصر وقوتها. محاولات مستمرة وعديدة بدأت بتوجيهات من الفاتيكان في ذلك الوقت عندما أعطى البابا تعليمات لفاسكو دوجاما المستكشف البرتغالي عندما علم أنه بصدد القيام باكتشاف طرق تجارية جديدة في إفريقيا وحولها، وحاول أن يقنعه أن يقابل إمبراطور الحبشة وإقناعه بمنع وصول مياه النيل لمصر ردا على دورها في الحروب الصليبية. وهذه الوثائق موجودة في متحف الاسكوريال بإسبانيا. ثم مرورا ببريطانيا العظمى بعد استقلال مصر فى العقد الثالث من القرن قبل الماضى، حيث بدأت بريطانيا بمحاولات متعددة لاقناع أثيوبيا بانشاء سد على بحيرة تانا لعرقلة مسار النيل الازرق الى مصر، وقامت ببناء سد سنار فى السودان لتحويل جزأ من مياه النيل الى منطقة الجزيرة لزراعة القطن بدلا من استيراده من مصر. وبعد استقلال مصر الرسمى فى 1952وقيام عبد الناصر بتبنى مشروع السد العالى لتحقيق الأمن المائى فى مصر بعيدا عن عبث بريطانيا فى دول المنبع، حاولت بريطانيا وامريكا اعاقة المشروع بإعاقة قرض البنك الدولى للمشروع، فقام عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس. وأصبحت وقتها المواجهة علنية، فقامت بريطانيا وفرنسا بانشاء نادى باريس بهدف اعلان قناة السويس ممر دولى، وانضمت أثيوبيا لنادى باريس ضد مصر. وبعدها قامت بريطانيا وفرنسا واسرائيل بالعدوان الثلاثى على مصر وفشل العدوان فى تدويل قناة السويس، وفشل فى ايقاف مشروع السد العالى، وانتصرت مصر فى فرض ارادتها السياسية على القوى العظمى وقتذاك. فتدخلت الولايات المتحدة لتحقيق الشقاق بين مصر والسودان، وكان لها تواجد قوى فى السودان، فقام انقلاب عسكرى فى السودان بقيادة الفريق عبود وتم عقد اتفاقية 1959 بين مصر والسودان على ضوء اتفاقية 1902 مع اثيوبيا واتفاقية 1929 مع دول الهضبة الاستوائية. ومن ثم قامت امريكا بارسال بعثة علمية كبيرة من مكتب استصلاح الأراضى الى اثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق ووضع مخطط مشروعات متكامل لاستغلال النيل الأزرق وافشال مشروع السد العالى. وانتهت البعثة الأمريكية عام

1964باقتراح 4 سدود كبرى على المجرى الرئيسي للنيل الازرق بسعة حوالى 70 مليار متر مكعب بالاضافة الى اكثر من 30 مشروعا صغيرا على روافد النهر، وتم بالفعل انشاء العديد من هذه المشاريع خال العقود الماضية. وأصبحت هذه الدراسة احدى ثوابت الشخصية الأثيوبية خلال العقود الماضية بدأ من الإمبراطور هيلاسيلاسي وحتى أبي أحمد حاليا، وتم تحديثها مع زيادة سعة السدود الكبرى من دراسة لأخرى، وذلك بدعم صريح من العديد من الدول الاوروبية وكذلك من روسيا ايام حكم منجستو هيلامريام، وحاولت أثيوبيا الحصول على موافقة مصر على هذه السدود الأربعة الكبرى بسعة اجمالية تزيد عن 150 مليار متر مكعب، وذلك عام 2010، وتم رفض مصر لهذا المخطط والتواصل المثمر مع المنظمات المانحة لمنع تمويل هذه السدود، ونجحت مصر فى ذلك.

ومع قيام ثورة يناير 2011 وكانت كل الحسابات الدولية تراهن على سقوط مصر، بل وتعمل بكل طاقتها لتحقيق ذلك، كانت الفرصة سانحة لوضع حجر اساس السد الأثيوبي ولكن بعد زيادة سعته أكثر من خمس مرات من 14 الى 74 مليار متر مكعب، وللعلم أن مخطط السدود الأربعة الكبرى تم نشر عشرات الابحاث عنها فى الدوريات العالمية خلال العقد الماضى، وهناك عشرات من العلماء الامريكان والاوروبيين قاموا بدراسة هذه السدود وتعديل مخططاتها. ومن المتوقع ان لاتقل سعة هذه السدود بعد التعديلات عن 200 مليار متر مكعب، أى حوالى 4 مرات من التصرفات السنوية المتوسطة للنيل الأزرق. وهذه السدود الكبرى مع الأخرى الصغرى على روافد النيل الأزرق ستتمكن من التحكم فى كل نقطة مياه فى حوض النيل الأزرق. وهذه السدود والمنشأت المائية، لتوليد الكهرباء وللزراعة ولامدادات المياه، وهذا هو المخطط الاثيوبي، ولذلك يتضح جليا لماذا ترفض أثيوبيا التوقيع على اتفاقية التخزين والتشغيل للسد وذلك حتى لاتعيق تنفيذ مخططها الكامل الذى تنوى تنفيذه فى القريب العاجل. المخطط الأثيوبي يهدف الى الاستيلاء على جزء كبير من حصة مصر المائية بل والتحكم فيه عند الحاجة، وبمعنى أخر التحكم الكامل فى مصر.

يتضح خلفيات المخطط الأثيوبي لسد النهضة، والأهداف الأثيوبية منه ومن سلسلة السدود الأخرى المخطط إنشائها على النيل الأزرق وبسعة تزيد عن 200 مليار متر مكعب من المياه. ومن الواضح الدعم والتمويل الغربى لهذا المخطط، وكذلك الدعم والتمويل الصيني، الروسي، ودعم ملموس، ومعلن من بعض دول الخليج ماديا، اضافة إلى دعم تركى معادى ضد مصر، وهذا التآمر الدولى ليس الأول من نوعه، فقد تم قبل ذلك الاستيلاء على معظم مياه دجلة والفرات من قبل تركيا وايران، والعالم كله لم يعارض ولم يتم تطبيق القوانين الدولية فى هذا الشأن، والضحية الواضحة لهذا التأمر الدولى كانت سوريا والعراق وهما كانتا حراس البوابة الشرقية للعرب. مخططات ومؤامرات كبيرة ودعم دولي، والهدف تحجيم دول عربية كبرى وذلك على مشهد وصمت من العالم أجمع.

ولمواجهة مخططات السدود الأثيوبية، يجب علينا الفهم العميق لأهدافها ومموليها والمستفيدين منها. الأهداف النظرية الإسمية لهذه السدود هو توليد الكهرباء وتصديرها بالعملة الصعبة، بالإضافة الى تحويل ملايين الأفدنة الزراعية من زراعات مطرية الى زراعات مروية رى تكميلي أثناء موسم الجفاف غير الممطر. ومتطلبات المياه لتحويل الزراعات المطرية الى زراعات مروية تكميلية حوالى 3 مليار متر مكعب فى العام لكل مليون فدان. وهدف التحويل من زراعات مطرية الى مروية هو زيادة الإنتاجية الزراعية للتصدير بالعملة الصعبة، فأثيوبيا لديها مايكفيها من الإنتاج الزراعى. ولتحقيق هذا الهدف الأثيوبي يجب عليها توفير المياه، منشآت الرى لتحويل المياه الى الاراضى الزراعية، بالاضافة الى انشاء شبكة الترع لتوزيع مياه الرى، وتوفير مزارعين للاراضى المروية. والمساحات المقترح تحويلها من زراعات مطرية الى مروية تبلغ عدة ملايين من الأفدنة وتتطلب توفير مياه الرى والتى تقدر بعدة مليارات من الأمتار المكعبة سنويا. وأثيوبيا، حسب الدراسات الأثيوبية الرسمية، تملك عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه الجوفية المتجددة ذات النوعية المميزة وعلى أعماق من 20 إلى 30 متر، وبما يكفى لرى عدة ملايين من الأفدنة وكذلك للشرب والصناعة.

ومن ناحية أخرى نجد فى جنوب أثيوبيا مناطق مستنقعات شاسعة فى منطقة مشار على امتداد نهر السوباط، ويفقد منها مايقرب من 10 مليار متر مكعب سنويا بالبخر. وتستغل أثيوبيا بعض هذه المساحات حاليا باعطائها لمستثمرين من الهند والخليج لزراعات الأرز، بطريقة زراعة البرك، مما يؤدى الى اهدار كميات هائلة من المياه. ويمكن انقاذ مالايقل عن 5 مليار متر مكعب من هذه المياه سنويا بانشاء قناه عميقة لتجميع المياه ونقلها لنهر السوباط.

واذا كانت السدود الأثيوبية الكبرى على النيل الأزرق هى فقط لتوليد الكهرباء، فان ملء هذه السدود سيكون على حساب حصة مصر المائية لأن السودان تأخذ حصتها المائية من النهر قبل وصول الايراد الى مصر. ونحن نتحدث عن اكثر من 200 مليار متر مكعب، فلو تصورنا ان بناء السدود سيكون على 50 عاما، فمصر سيتم حرمانها من 4 مليار متر مكعب سنويا لملء هذه السدود، ذلك بالاضافة الى الفواقد من هذه السدود والتى لن تقل عن 8 إلى 10 مليار متر مكعب سنويا، باجمالي يصل من 12 إلى 14 مليار متر مكعب سنويا. واذا تم استخدام جزءا من مياه السدود للزراعة، سيزداد هذا العجز المائى ويتفاقم عن ذلك. وأثيوبيا دولة لها تجاربها السابقة مع جيرانها فى كينيا والصومال، فقطعت عنهم المياه وجفت الانهار ولم تبدى أى تعاطف معهم، وقامت الصين بتمويل معظم هذه السدود على حساب حياة ملايين من شعبى كينيا والصومال.

الخلاصة أن التاريخ يوضح أن الدولة الأثيوبية لا تتردد فى تنفيذ مخططاتها العدائية بحجة التنمية وذلك على حساب أى شئ ولو حتى حياة شعوب جيرانها، وهناك قوى دولية عظمى مستعدة لدعم هذا التوجه سواء ماليا وفنيا، أو على الأقل بالصمت وعدم التدخل، وعلى ضوء هذه الدروس التاريخية ووضوح المخطط الأثيوبي للسدود على النيل، يجب الاستعداد بكل الوسائل المتاحة للتعامل مع هذا المخطط المعادى، وبحيث لا يمكن لمصر أن تغض الطرف عن أحد أهم مقوماتها الإستراتيجية، بل أهم محدد للأمن القومي المصري على الاطلاق وهي التي تعرف وتلمس من الحقائق ما يلي.

 1-  الوضع المائى فى مصر لا يسمح بتحمل  أى نقص فى حصتها المائية، فالعجز المائى الحالى لا يقل عن 50% حتى ان الفجوة الغذائية السنوية تكلف مصر سنويا حوالي 10 مليار دولار وبما يعادل تكلفة السد الأثيوبي مرتين كل عام.

 2-  مصر تؤمن بحق أثيوبيا ودول حوض النيل فى التنمية بل وتدعم ذلك ماديا وفنيا لعقود عديدة فى العديد من من دول الحوض، مادامت هذه التنمية ليست على حساب مياه وحياة الشعب المصرى.

 3- هناك تلاعب ومناوءات أثيوبية ودولية منذ عام 2011 تحاول اجبار مصر على قبول انتقاص لجزء من حصة مصر المائية تحت مسميات وحجج وأسباب واهية، وفى تغاضى مقصود لكل الاتفاقيات التاريخية والقوانين الدولية، وبمشاركة خبيثة للعديد من القوى الدولية وبعض المنظمات المغرضة سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ومصر لم ولن تقبل بأى من هذه الترهات، وذلك ليس لعنجهية أو فتونة ولكن للندرة المائية فى مصر الصحراوية، وليقين القيادة السياسية بأن أى تنازل عن نقطة مياه واحدة ستكون على حساب حياة المصريين وبداية لفقدان مكانة مصر الاقليمية والدولية.

 4- هذه المحاولات الدولية لانقاص حصة مصر المائية تمثل امتدادا للعديد من المحاولات السابقة وأخرها كانت اتفاقية عنتيبي الفاشلة، ومصر تعلم جيدا من وراءها وأهدافها فى الداخل والخارج، ولن تسمح مصر تحت أى مسمى لأى من كان بتنفيذ هذا المخطط.

 5-  الفترة السابقة، من حرب أثيوبية داخلية ثم مشاكل سودانية متأزمة، لم تمنع مصر من اختراق عدة محاور للمساعدة فى التعامل مع أزمة السد الأثيوبي والتعامل مع أزمة مصر المائية.

 6-  الحرب أو العنف وقصف السد قد يكون أحد الحلول، ولكن أخرها، والحرب حتمية فى حالة تجاوز محددات الأمن القومي. والحرب ليست الخيار الأمثل الا اذا تعذرت جميع الوسائل السلمية الممكنة، فالنزاع العسكرى له أثاره العميقة  التى من الصعب محوها على مدى الدهر.

 7- الكهرباء التى قد تنجح أثيوبيا فى توليدها الاسابيع القادمة من السد قد لاتزيد عن 100 ميجاوات فقط، والبروباجاندا الإثيوبية حولها هى عادة إثيوبية سيئة لا يستطيعون التغلب عليها، وأحد الأسباب الرئيسية لزيادة التوتر مع كل من مصر والسودان. ومعظم تصريحاتهم الفنية وحتى الأمنية مليئة بالمغالطات والتى أفقدت الدولة الأثيوبية المصداقية، وبعد دعوة آبي أحمد أمس لكل من مصر والسودان للتعاون حول مياه النيل، يمكننا فهم أسبابها فيما يلي.

1- الحرب الأهلية في إثيوبيا والهزائم المتتالية لحكومة أديس أبابا أمام جبهة تحرير تيجراي قد جعلت الحكومة الإثيوبية في موقف لا تحسد عليه، لذلك تحاول تحقيق اختراق في ملف سد النهضة، لكن بشروطها وهذا ما لن تقبل به مصر والسودان.

2- سقوط جميع الحيل والادعاءات الإثيوبية أمام الموقف المصري والحقائق التي يستند عليها.

3- مرور الوقت ليس في صالح إثيوبيا لأنها استنفذت كل حججها ومحاولتها لاستنفاذ الوقت حتى تكمل ما بدأته.

4- معرفة وعلم إثيوبيا أنها أمام الاستحقاق النهائي لتشغيل وملء السد، والذي لا يمكن تشغيله إلا بموافقة مصر والسودان، لأنهما المتضررتين من بنائه

5- نجاح آبي أحمد في الانتخابات الأخيرة في إثيوبيا والذي كان يأخذ قضية السد كأحد أهم أسباب دعايته الانتخابية ونجح فيها وتم له ما أراد، وأنه لم يبقى أمامه غير الاستحقاق النهائي الخاص بإنهاء قضية السد.

6- محاولة آبي أحمد تلافي غضبة مصر والسودان من عدم الإستماع لمتطلباتهما المائية، لتفادي قرار ربما تندم عليه إثيوبيا.

About Post Author