العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

شقاء الانتخابات النيابية في الجزائر

توفيق رباحي

كاتب صحافي جزائري

لا أدري هل أُتيح لكبار المسؤولين الجزائريين، وفي مقدمتهم الرئيس عبد المجيد تبون، متابعة مقتطفات مصوَّرة أو مسموعة من لغة وخطابات المرشحين للانتخابات النيابية البرلمانية المقررة السبت المقبل وقادتهم.
ما يستحق أن يُشاهَد، مقتطفات غير التي يبثها التلفزيون الحكومي، لأن هذا الأخير يمارس عملية «تنظيف» كبرى تخرج بعدها الخطابات الانتخابية أكثر من رائعة، بينما هي في حقيقة الأمر رديئة ومضلّلة ومبتورة من سياقاتها. المقصود مقاطع يتداولها الجزائريون على وسائط التواصل الاجتماعي تكشف عن مستوى غير مسبوق من الابتذال الشخصي والسياسي ومن انعدام الذوق العام.
الانتخابات النيابية في الجزائر كانت دائما خليطا من السياسة والفلكلور والعشائرية والمحاباة العائلية. حتى في ذروة التعددية السياسية وتناطح الأفكار بين قامات مثل حسين آيت أحمد وعبد الحميد مهري ونور الدين بوكروح وغيرهم، كان الفلكلور حاضرا. لكن العزاء أن ذلك الفلكلور كان وسط الأفكار والسياسة والنقاشات الجادة والجريئة، وليس على حسابها. أما انتخابات السبت المقبل فتبدو أسوأ من سابقاتها، ليس فقط لأنها بلا برامج وبلا أفكار وبلا رؤية، بل فوق هذا ممزوجة بالابتذال وقلة النضج وانعدام الشعور بالمسؤولية.
كل ما هنالك اليوم اتفاق على تكرار خطاب الرئيس تبون والسلطة حول أن الانتخابات النيابية هي الخلاص ودونها غرق سفينة الجزائر. عدا هذا يندر أن تسمع عرضا مفيدًا أو فكرة مثمرة. لا أحد يعرف بدقة مَن يترشح باسم مَن وتحت أيّ لون سياسي. لا أحد من المعارضة ولا أحد من الموالاة. لا نقاش اقتصادي ولا أفكار سياسية ولا إبداع ثقافي. لا إسلاميون، لا علمانيون، لا يسار ولا يمين ولا نقاشات عقائدية. لا فروق في اللغة العقيمة المستعملة في المهرجانات الانتخابية ولا أي شيء يبعث على التفاؤل. تغلَّب الطبل والمزمار والرقص على ما دون ذلك. حالة من التصحر والشلل أستغرب كيف يريدون بها بناء جزائر جديدة. عبد القادر بن قرينة، الذي كاد أن يصبح رئيسا للبلاد لولا لطف السماء، ومن دون أي ضرورة، لم يجد غضاضة في الحديث عن زوجته واسمها وأصلها ونحافتها. ولم يستحِ من وعد الجزائريين جميعا بالجنَّة، وفي طريقهم (بحكم أنهم أصحاب الامتياز في نظره) يصطحبون الشعوب المغاربية معهم! رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري اهتدى في تجمع انتخابي إلى رقصة الدبكة الفلسطينية لكي يعبّر عن تعاطفه مع سكان غزة عندما كانت صواريخ الجيش الإسرائيلي تدك بيوتهم وما تبقى من منشآتهم. أتمنى ألا يشاهد الفلسطينيون مقري وهو «يدبك» لهم في محنتهم! شخص آخر، لا يهم اسمه، ارتأى أن يسيل لعاب حفنة من النائمين قبالته في مهرجان انتخابي باهت بـ«الفراولة الطازجة اللذيذة» (إشارة إلى شابات يافعات ومثقفات في قائمة حزبه). آخرون لم يجدوا إلا الرقص الهستيري على إحدى أغاني الفنان رابح درياسة بعد فقدت ألقها وقدرتها على هزّ مشاعر الجزائريين من فرط توظيف الانتهازيين السياسيين لها طيلة ثلاثين سنة أو أكثر. آخرون رشحوا نساء لكنهم حجبوا صورهن من الملصقات الانتخابية لأسباب يعرفونها وحدهم. ووقائع كثيرة أخرى تعبّر عن الدرك المؤلم الذي أُنزل إليه العمل السياسي في الجزائر.

ستُسفر الانتخابات النيابية عن برلمان آخر مثل السابق وعلى الأغلب أسوأ منه. سيستفيد الأفراد والمجموعات ماديا ومعنويا، لكن الجزائر لن تجني شيئا سوى إضافة فرصة أخرى إلى رصيدها الهائل من الفرص الضائعة

من الصعب تصديق أن هذا الانهيار يحدث بالصدفة. ومن الصعب كذلك إلقاء اللوم فقط على هؤلاء الذين يصفهم كثير من الجزائريين بالمهرّجين. كل شيء متعمد وتريده السلطة. ويجري تحت غطاء إشراك الجزائريين في السياسة والانتخابات، وإتاحة الفرصة للجميع، وخصوصا الشباب، للمشاركة في صنع مستقبل بلادهم بعد العزوف الكبير الذي أصبح ثقافة وطنية. السلطات، في مختلف المستويات وبمختلف الأدوات، هي التي تتعمد تمييع السياسة حتى لا تبرز بدائل مزعجة لها. هدفها الأوسع المضي إلى النهاية في فرض خارطة طريقها. انتخابات السبت هي المحطة ما قبل الأخيرة، على أن تكون انتخابات المجالس البلدية والولائية، بعد فصل الصيف على الأرجح، الحلقة الأخيرة في مسلسل بناء «الجزائر الجديدة».. بأساليب قديمة وذهنيات رثّة.
الهزال المؤلم المرافق للانتخابات ليس من فراغ، بل يقابله واقع مماثل في الضفة الأخرى: السلطة. في ممارسات وثقافة السلطة الحاكمة ولغة رجالها ونسائها، من وزراء وولّاة ومسؤولين كبار، كثير من الشبه مع الابتذال الحاضر في الحملة الانتخابية الحالية. يتذكر الجزائريون، مثلا، أن وزير الشباب والرياضة في حكومة الرئيس تبون خاطب مَن لديهم موقف مختلف عن السلطة من الاستفتاء على الدستور في الخريف الماضي، بالقول «للي ما عجبوش الحال يبدّل البلاد». مضى هذا الكلام الخطير وكأن شيئا لم يكن، ولا يزال الوزير وزيرا في منصبه. ويتذكر الجزائريون أن الرئيس عيّن أحدهم وزيرا اتضح في اليوم الموالي أنه يحمل جنسية الفرنسية إلى جانب الجزائرية، وهو ما يتناقض مع نصوص الدستور والقوانين. وعندما خُيّر بين التخلي عن الجنسية الفرنسية والبقاء وزيرا، لم يتردد سمير شعابنة لحظة في التنازل عن المنصب الوزاري مفضلا الجنسية الفرنسية. لم يسمع الجزائريون أن المتسبب في هذا الخلل الخطير تعرّض للمساءلة.
عندما تستمع لوزراء في حكومة تبون، وقبلهم عبد المالك سلال وآخرين، تشفق على الجزائر. وعندما تضع على الطاولة هؤلاء وأولئك الذين يتنافسون حاليا لدخول البرلمان، تقول: لا فرق، كلٌّ يسيء لها بطريقته.
لا أحد وَصفَ إدارة الشأن العام في الجزائري أفضل من الفنان الكوميدي عثمان عريوات في فيلمه «كرنفال في دشرة». كان ذلك في نهاية الثمانينيات في وصف حال كنا نعتقد آنذاك أنها قمة الرداءة. قرابة أربعة عقود مرّت والجزائر أسوأ اليوم سياسيا مما وصفها عريوات.
ستجري الانتخابات، وستُسفر عن برلمان آخر مثل السابق وعلى الأغلب أسوأ منه. سيستفيد الأفراد والمجموعات ماديا ومعنويا، لكن الجزائر لن تجني شيئا سوى إضافة فرصة أخرى إلى رصيدها الهائل من الفرص الضائعة. لا بأس من الإقرار بأن هذا الهزال هو أفضل الممكن بعد عقود من تجريف العمل السياسي والجمعوي وإغراقه عمدًا في الرداءة، لكن هناك مشكلة في المكابرة على أنه يبني الجزائر الجديدة الموعودة.