العالم الآن

جريدة عربية شاملة

يهود إثيوبيا بين نار الحرب وحلم الهجرة لإسرائيل

يهود إثيوبيا بين نار الحرب وحلم الهجرة لإسرائيل

يهود إثيوبيا بين نار الحرب وحلم الهجرة لإسرائيل

 

 

 

 

 

العالم الآن – وليد وفيق : على مدار عقود كانت السمة الأبرز للعلاقات بين إثيوبيا وإسرائيل دوما تتخذ طابعا سريا، رغم زيادة حجم الاستثمارات الإسرائيلية فى الداخل الإثيوبى وفى دول القرن الإفريقى بشكل عام، لأن حكومة تل أبيب تسعى إلى وضع نقطة تمركز جيو سياسية على البحر الأحمر وفي دول القرن الافريقي وأفريقيا عموما بهدف الاستفادة الاقتصادية، من خلال التعاون مع الدول الإفريقية بشكل عام.

 في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي مرت إثيوبيا بسلسلة من المجاعات، تفاقمت بسبب  الحروب الأهلية، وموجة من الجفاف ضربت البلاد، مما أدى في النهاية إلى مقتل مئات الآلاف. نتيجة لذلك، أصبحت حياة مئات الآلاف من الإثيوبيين، وبما في ذلك مجتمع اليهود الإثيوبيين غير مقبولة، وحاول جزء كبير منهم الهروب من الحرب والمجاعة بالفرار إلى السودان المجاور، وساهم القلق على مصير اليهود الإثيوبيين والخوف على وجودهم سابقا في الإعتراف الرسمي للحكومة الإسرائيلية بمجتمع اليهود الإثيوبي في عام 1975، لغرض تفعيل قانون العودة الإسرائيلي، دفعت الحرب الأهلية في إثيوبيا الحكومة الإسرائيلية إلى نقل عدد كبير من اليهود في إثيوبيا جوا إلى إسرائيل في العديد من عمليات الإنقاذ العسكرية السرية التي حدثت منذ الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات.

عندما تأسست دولة إسرائيل في عام 1948، بدأ العديد من اليهود الإثيوبيين يفكرون في الهجرة إلى إسرائيل، ومع ذلك رفض الإمبراطور هيلا سيلاسي منح السكان اليهود الإثيوبيين الإذن بمغادرة إثيوبيا، كان هذا الرفض بمثابة الباب المؤدي إلى الهجرة غير الشرعية المبكرة، وتزامنا مع الإعتراف الإسرائيلي الرسمي عام 1975، هاجرت مجموعة صغيرة نسبيا من اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل. كان هؤلاء المهاجرون في تلك الفترة في الأساس عبارة عن عدد قليل جدا من الرجال الذين درسوا وجاءوا إلى إسرائيل بتأشيرات سياحية، ثم مكثوا في البلاد بشكل غير قانوني، قرر بعض المؤيدين في إسرائيل الذين اعترفوا بيهوديتهم مساعدتهم، بدأ هؤلاء المؤيدون في تنظيم جمعيات، بما في ذلك واحدة تحت إشراف عوفاديا هازي، وهو يهودي يمني ورقيب سابق في الجيش الإسرائيلي، تزوج  امرأة من يهود إثيوبيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتمكن بعض المهاجرين غير الشرعيين من تسوية أوضاعهم مع السلطات الإسرائيلية بمساعدة جمعيات الدعم هذه، وبالتالي البقاء في إسرائيل. أولئك الذين قاموا بتسوية أوضاعهم في كثير من الأحيان جلبوا عائلاتهم إلى إسرائيل أيضًا.

في عام 1973 أثار عوفاديا هازي رسميا مسألة يهود إثيوبيا مع الحاخام الإسرائيلي الشرقي عوفاديا يوسف، والذي استشهد بحكم حاخامي من القرن السادس عشر وأكد أن يهود إثيوبيا  ينحدرون من قبيلة دان المفقودة، اعترف بيهوديتهم في فبراير 1973. هذا الحكم رفضه في البداية الحاخام الأشكنازي شلومو غورين، الذي غير رأيه في الموضوع عام 1974.

في أبريل 1975، قبلت الحكومة الإسرائيلية برئاسة اسحاق رابين رسميا يهود إثيوبيا كيهود، لغرض قانون العودة، وفي وقت لاحق حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن على أحكام واضحة من عوفاديا يوسف بأنهم من نسل القبائل العشر المفقودة، وفي 12 سبتمبر 1974 ، استولى المجلس العسكري الموالي للشيوعية السوڤيتية على السلطة، بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي الأول.

 تولى منجستو هيلا مريام السلطة كرئيس للدولة تميزت سنوات مينجيستو  هيلا مريم في المنصب بحكومة ذات نمط شمولي، بتمويل من الإتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، تم تبني الشيوعية رسميا من قبل النظام الجديد في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.

ونتيجة لذلك، بدأ النظام الجديد تدريجيا في تبني المواقف المعادية للدين والمناهضة لإسرائيل، فضلا عن إظهار العداء تجاه يهود إثيوبيا، ومع ذلك ظلت العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية تسير بخطى حثيثة من قبل قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في السبعينيات وبعدها، وتعددت أوجه التعاون العلنية والسرية في عدة مجالات، كان أهمها المجال العسكري.

في ديسمبر 1960، حاول قسم من الجيش الإثيوبي القيام بانقلاب بينما كان الإمبراطور هيلا سيلاسي الأول في زيارة رسمية للبرازيل. تدخلت إسرائيل، حتى يتمكن الإمبراطور من التواصل مباشرة مع الجنرال آبي، الذي ظل وقواته موالين للإمبراطور ، وتم سحق التمرد. في أوائل الستينيات، بدأت إسرائيل في مساعدة الحكومة الإثيوبية في حملاتها ضد جبهة التحرير الإريترية، وصورت الحكومة الإثيوبية التمرد الإريتري على أنه تهديد عربي للمنطقة الأفريقية، وهي حجة أقنعت الإسرائيليين بالوقوف إلى جانب الحكومة الإثيوبية في الصراع، حيث قامت إسرائيل بتدريب قوات مكافحة التمرد وكان الحاكم العام لإريتريا، أسرات مدهين كاسا، مستشارا عسكريا إسرائيليا له، وتم تعيين كولونيل إسرائيلي مسؤولا عن مدرسة تدريب عسكرية في ديكاماري وتدريب قوات كوماندوز البحرية الإثيوبية، بحلول عام 1966، كان هناك حوالي 100 مستشار عسكري إسرائيلي في إثيوبيا. بدأ رئيس الوزراء الإثيوبي أكليلو هابت وولد السعي للحصول على دعم سياسي لكسر العلاقات مع إسرائيل بعد قمة منظمة الوحدة الأفريقية، وبعد مناقشات طويلة صوت مجلس الوزراء على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ومع ذلك تم حظر القرار من خلال حق النقض من الإمبراطور، حتى بعد أن قطعت إثيوبيا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في عام 1973، استمرت المساعدات العسكرية الإسرائيلية بعد وصول الطغمة العسكرية للديرغ إلى السلطة، وشملت قطع غيار وذخيرة للأسلحة الأمريكية الصنع وخدمة لطائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-5. كما احتفظت إسرائيل بمجموعة صغيرة من المستشارين العسكريين في أديس أبابا،لكن في عام 1978، وعندما اعترف وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان بأن إسرائيل كانت تقدم المساعدة الأمنية لإثيوبيا، طرد منغستو هايلي مريم جميع الإسرائيليين، حتى يتمكن من الحفاظ على علاقته مع الدول العربية مثل ليبيا واليمن الجنوبي. في عام 1983، على سبيل المثال، قدمت إسرائيل لإثيوبيا  تدريبا في مجال الاتصالات، وفي عام 1984 قام مستشارون إسرائيليون بتدريب الحرس الرئاسي، وخدم الكادر الفني الإسرائيلي مع الشرطة. كما يعتقد “بعض المراقبين الغربيين” أن إسرائيل قدمت مساعدة عسكرية لإثيوبيا مقابل تعاون مينجستو الضمني خلال عملية موسى عام 1984، والتي تم خلالها إجلاء 10،000 من يهود إثيوبيا إلى إسرائيل، في عام 1985 ورد أن إسرائيل باعت أديس أبابا ما لا يقل عن 20 مليون دولار أمريكي من الذخائر السوفيتية الصنع وقطع الغيار التي تم الاستيلاء عليها في لبنان. وفقًا للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، وتلقى نظام منغستو هيلا مريم ما قيمته 83 مليون دولار من المساعدات العسكرية الإسرائيلية في عام 1987، ونشرت إسرائيل حوالي 300 مستشار عسكري في إثيوبيا. بالإضافة إلى ذلك، زعمت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا أن 38 طيارا إثيوبيا ذهبوا إلى إسرائيل للتدريب، في مقابل هذه المساعدة سمحت إثيوبيا بهجرة يهود اثيوبيون، تفاوضت القدس وأديس أبابا على اتفاقية أخرى تقدم بموجبها إسرائيل مساعدات زراعية واقتصادية وصحية أيضا، في مايو 1991، ومع اقتراب نظام منجستو هيلا مريم من نهايته دفعت إسرائيل 35 مليون دولار أمريكي نقدا للسماح لحوالي 15000 يهودي إثيوبي بالهجرة من إثيوبيا إلى إسرائيل.

ولطالما تفاخرت إسرائيل بإنقاذها لليهود الإثيوبيين سابقا، عبر سلسة عمليات محفوفة بالغموض والتفاصيل المعقدة، وتعود آخر عملية كبرى قامت بها لعام 1991، حين استقدمت 14 ألفا من يهود الفلاشا من المعسكرات في إثيوبيا في جسر جوي سري، استمر لأكثر من 36 ساعة.

 كانت بداية هذه العمليات لإنقاذ يهود إثيوبيا وتهجيرهم إلى اسرائيل العملية “موسى” عام 1984، وهناك آراء ترى أن هذه العملية تمت بمساعدة الرئيس السودانى السابق جعفر النميرى، حيث هاجر الكثير من يهود الفلاشا إلى إسرائيل عبر جسر جوى من إقليم تيجراى بشمال إثيوپيا، عبر الخرطوم إلى تل أبيب.

وفي عام 1985 هاجر أكثر من 20000 من يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل بمعاونة من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، فيما يعرف بالعملية “سبأ” وشغل بوش الأب منصب نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، وزار مدينة الخرطوم والتقى بالرئيس السوداني النميري لتأكيد إتمام عمليات النقل بنجاح. وتمكنت القوات الأمريكية من نقل عدد كبير من يهود الفلاشا على متن طائراتهم من مطار “العزازا” شرق السودان.

هاجر عدد كبير يقارب 14000 من الفلاشا من إثيوبيا إلى تل أبيب في 25 مايو 1991، في عملية سميت بالعملية “سليمان”، وتمت العملية بقيادة نائب رئيس الأركان الإسرائيلي أمنون شاحاك في عهد رئيس الوزراء إسحاق شامير.

وكشف تقرير نشره مكتب الإحصاء المركزى فى إسرائيل عام 2017 أن عدد الإسرائيليين من أصل إثيوبى يبلغ حوالى 140 ألف شخص، أى قرابة 2% من إجمالى التعدد السكانى لإسرائيل، ولد أكثر من 85 ألف منهم فى إثيوبي، وغالبية يهود الفلاشا يزاولون أعمالا منخفضة الأجور لا تحتاج إلى تأهيل علمي.

في عام 2019 لقيت زيارة آبي احمد لتل أبيب ترحيبا إسرائيليا كبيرا لأهميتها.

اولا: تحقيق أجندة إسرائيل  المتعلقة بالعودة لإفريقيا وتعميق تواجدها فى منطقة حيوية من القارة السمراء، وسعيها للحصول على صفة مراقب في المنظمة الأفريقية، وهو ما اعترفت به إسرائيل فى بياناتها الرسمية.وهناك التقى آبي أحمد مع رئيس الوزراء السابق نتنياهو كما التقى الرئيس رؤوفين ريفلين، الذى سبق وزار أديس أبابا. والمثير فى أمر تلك الزيارة هو تزامنها مع أحداث ساخنة تشهدها إثيوبيا بسبب أزمات سد النهضة وبداية توتر الأحداث فى الأقاليم الإثيوبية وخاصة إقليم تيجراى.

ثانيا: حلم آبى أحمد فى إنشاء سلاح قوات بحرية لبلاده الحبيسة من خلال إنشاء قاعدة بحرية فى جيبوتى أو الصومال، وتصريحاته عام 2018 بأن بلاده تتشاور مع عدة دول من أجل ذلك الهدف، وتراهن تل أبيب على أنها تستطيع مساعدة إثيوبيا فى تحقيق هذا الهدف من خلال تزويدها بزوارق الهجوم السريع وزوارق الدورية الساحلية الإسرائيلية الصنع، هذا بالإضافة إلى مساعدة الجيش الإثيوبى فى تطوير سلاحه الجوى، وذلك وفق ما نقله موقع «ديبكا» الإسرائيلى.

مع انفجار الصراع بين حكومة أديس أبابا وإقليم  تيجراى أواخر عام 2020، قامت وحدات الجيش الإثيوبى، فى نوفمبر الماضى، بعملية خاصة لإجلاء 9 إسرائيليين يعملون ضمن شركات إسرائيلية تنفذ مشروعات فى مجالى الرى والزراعة، كانوا متواجدين فى هذا الإقليم إلى خارج البلاد، وألقى هذا الخبر الضوء على العامل الإسرائيلى المستتر فى المعادلة الإثيوبية، والذى أصبح تدريجيا من العوامل الأساسية على المستوى العسكرى والاقتصادى فى إثيوبيا.

وفى 30 يوليو الماضى، هاجمت بنينا تامانو شطا، وزيرة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية، الحكومة الحالية برئاسة نفتالى بينيت، بسبب موقفها من يهود إثيوبيا الذين يعانون من براثن التوترات الداخلية والصراعات، مطالبة الحكومة الإسرائيلية بزيادة المخصصات المالية لإجلاء نجو 12 ألف يهودى من إثيوبيا.

وكتبت تامانو شطا على صفحتها الرسمية على موقع «تويتر»: «لن أسمح لهم أبدا بالاستمرار فى الإساءة إلى المجتمع اليهودي الإثيوبى والتخلى عنهم وجعلهم فى ذيل قائمة أولويات الحكومة أولئك الذين ينتظرون الهجرة من إثيوبيا إلى إسرائيل عانوا بما فيه الكفاية».

وتامانو شطا وهى من أصول إثيوبية قالت «سأعارض الميزانية التى لن تعزز الهجرة من إثيوبيا إلى إسرائيل بشكل كبير، حتى لو كان ذلك على حساب منصبى فى الحكومة.. سأصوت ضد هذا القانون من المعارضة إذا لزم الأمر».

ووفقا لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» فإن هناك ما بين 7 و12 ألف يهودى عالقون على الحدود السودانية فى انتظار الهجرة إلى إسرائيل، وأنهم معرضون للخطر بسبب اندلاع الحرب الأخيرة بين قوات الحكومة الفيدرالية، وجبهة الإنقاذ الشعبى فى إقليم تيجراى.

لكن معارضي المزيد من عمليات لم شمل الأسر الإثيوبية في إسرائيل يقولون إن الفلاشا وأحفادهم، الذين تحول الكثير منهم إلى المسيحية من قبل المبشرين الأوروبيين في أواخر القرن الـ 18، غادروا بالفعل منذ فترة طويلة، وإن أولئك الذين يملأون المعسكرات الآن هم في الغالب أقارب للمتحولين إلى المسيحية ولا تربطهم علاقة وثيقة باليهودية.

وذكرت  صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير لها، أن الإسرائيليين من أصل إثيوبي يضغطون على حكومة “نفتالي بينيت” لتخليص الآلاف من أقاربهم من أخطار الصراع، وإنهاء المعاناة المستمرة منذ سنوات عديدة للعائلات المشتتة.

وأثمرت الضغوط على الحكومة، والتي وافقت على تسريع خطة عملية تهجير 5 آلاف إثيوبي من أصول يهودية، في ظل القتال المستمر بإثيوبيا بين تحالف المعارضة بقيادة قوات تيجراي والقوات الحكومية.

وفقا لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” فإن القرار يشمل آلاف الإثيوبيين ممن لديهم أقارب من الدرجة الأولى في إسرائيل، وبموجبه سيتم نقل نحو 9 آلاف شخص من أديس أبابا إلى تل أبيب

فهل يكون مصير ما تبقى من اليهود الإثيوبيين مرتبطا بالكثير من الأزمات داخل إثيوبيا وشرعية ادعاءات المخاطر التي يتعرضون لها؟

هذا ما ستجيب عنه الأسابيع القادمة، والتي ستشهد حراكا مكثفا لمحاولة انقاذ اليهود الإثيوبيين العالقين جراء الحرب بين أديس أبابا وإقليم تيجراي، خاصة بعد أن أبدى “بلينكن” وزير الخارجية الأمريكي مخاومه من انهيار الوضع الإثيوبي وتفكك إثيوبيا بعد الهزائم المتتالية لقوات حكومة آبي احمد، وانعكاس ذلك على سلامة واستقرار منطقة القرن الأفريقي المضطربة اساسا، ومن وراء هذا وقبله يبقى يهود الفلاشا بين نار الحرب وحلم الهجرة إلى إسرائيل.