العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

مــقــــام العشق والحكي في " مقامات سيدي امحمد بن قاسم "

مــقــــام العشق والحكي في " مقامات سيدي امحمد بن قاسم "

مــقــــام العشق والحكي في ” مقامات سيدي امحمد بن قاسم “

عبد النبي بزاز

 تنضاف رواية ” مقامات سيدي امحمد بن قاسم ” إلى كتابات الأديب المغربي حسن إمامي السردية والروائية الصادرة عن ارتباط وانتماء وجودي ووجداني لمدينة زرهون العريقة بتاريخها الحضاري والتراثي والثقافي … فهي مسقط رأسه ، وفضاء نشأته استلهم من محيطها الطبيعي ، منجزا روائيا بحمولات دلالية وجمالية راقية ، الغني والمتنوع بتنوع تضاريسه وجغرافيته بسهولها وجبالها وعيونها ووديانها وأشجارها وطيورها وماشيتها… والعقدي بأضرحتها ومزاراتها ، والثقافي بموروثها الفني ( ملحون وزجل ) ، وأعلامها برصيدهم ورمزيتهم الدينية والروحية والإبداعية… ثقافة تزخر بزخم موسوم بالعمق والتنوع متمثلا إواليات أثالة وأصالة  حضارتها الشامخة في تنوعها الحضاري والثقافي مما فجر فيه ملكة الإبداع ، وأغنى ثقافة الخلق والابتكار من خلال ما راكمه من تجارب وطدت عرى العشق ، ورسخت أواصره داخل ألياف فؤاده ، وقيعان ذهنه ، وأغوار وجدانه لمدينة تشبع بتجليات غناها الطبيعي والفني والقيمي فربطته بها وشائج تجاذب وتفاعل وطدت أسس تواصل حميمي تلاشت معه كل الشوائب والمعكرات لينخرطا في تماه خلاق  امحت  فيه وذابت صور التنابذ ، ومظاهر التنافر.

ينطلق الحكي في رواية “مقامات سيدي امحمد بن قاسم” في انسيابية وسلاسة عبر زخم شخوص ( يقترب عددهم من الأربعين ) تختلف مواقعهم الاجتماعية والثقافية والمهنية والعقدية ك ( با الساحلي ،والهوارية، وبودومة، و سي نبهان، ومحسن ، وحميد ، وحدهوم …) فضلا عن تضمين أعلام بإشعاع تاريخي في مجالات مختلفة ( لينين ، شي غيفارا ، عبد الكريم الخطابي ، مارسيل خليفة ، قعبور ، أم كلثوم ، محمد عبد الوهاب ، إبراهيم العلمي …) وارتباطا بأماكن  وفضاءات تؤثث مدينة زرهون كمكان ينضح بعبق التاريخ ، وألق الحضارة ( قنطرة عين وليلي ، ضريح مولاي إدريس الأكبر، ضريح سيدي امحمد بن قاسم ، جبل باب الرميلة ، كهف الحمام…) أمكنة تضاهي في وفرتها ( أكثر من ثلاثين مكانا ) شخوص الرواية.  

فأمام هذا الفيض الطافح من الأشخاص والفضاءات تدور أحداث الرواية عبر سيرورة تتعدد فيها وقائع حبلى بمفارقات ومستجدات تكرس واقع مدينة تتخبط في أزمات اجتماعية ، وترزح تحت نير أوضاع معيشية هشة ومهترئة : ” كان الطفل عزيز الذي انصرف ذلك المساء قبل آذان صلاة العشاء نموذج القهر الاجتماعي الذي يضطر الأسر لتشغيل أطفالهم ” رغم ما تزخر به من مقومات تاريخية و تراثية وحضارية وطبيعية ودينية…لرسم مشهديات تتجدد آفاقها ، وتتعدد سياقاتها بمساهمة أشخاص يمتشقون جموح الرغبة ، وغنى التجارب والخبرات لاجتراح حكايات ظلت حبيسة الذاكرة والوجدان داخل فضاء مدينة تشربوا عشقها ، وتشبعوا  من ثراء مكوناتها ، ونهلوا من عمق تاريخها فصاغوا حكايات مثيرة ومدهشة وسط محيط بلدة تعج بوقائع يتجاذبها الطريف والغرائبي والنادر ك با الساحلي الذي نسجت حوله العديد من الحكايات مرتبطة باللقب تارة : ” ولذلك يكون لقبه عند النساء بالمجذوب مول البركة ” ، وبنمط عيشه ، وما يشوبه من سلوكيات تشذ عن المألوف تارة أخرى : ” مرة يكون با الساحلي وليا أو مجذوبا ، ومرة يكون عند آخرين أحمق ومجنونا وأخرى رجلا غريبا” لما يصدر عنه من تصرفات وتحركات تثير العجب والاستغراب : ” يذهب بالليل للغابة فيكلم الحيوانات ويأكل معها وينام وسطها ، حتى إذا أتى الصباح تحول إلى المدينة يتجول فيها ” بل لا يتوقفون عن تخيل حكايات عجيبة بمسوح غيبية حول شخصه : ” شفت با الساحلي … راه مزوج بجنية ساكنة في الغابة ، هي التي تعطيه هاد الماكلة ” ، وصفة الحمق والجنون التصقت أيضا بالشيخ اجنيح : ” نعته : أحمق ، مجنون ، مجذوب ” رغم ما يمتلكه من رصيد بطولي طاله الإهمال والنسيان : ” مشاركته في حروب فرنسيس  الفيتنام ” ، أما سي الكبير البارودي فشخصية بنزعة مختلفة و ( كاريزما ) مغايرة : ” فسي الكبيرمن خدم الضريح وليس من شرفائه … شكلت هذه العقدة الاجتماعية والثقافية غصة في حلقه نظرا لأن الامتداد النفوذي والاجتماعي لطبقة الشرفاء قوي جدا … رغم ذلك فقد استطاع بناء علاقاته القوية ، وامتلاك عناوين وأرقام وهواتف وبطاقات زيارة لعدد كبير من الشخصيات المرموقة ” ، مما يحذو ببحث شخص مثل السي الكبير عن سلك سبل تمكنهم من تعويض الوضع الاعتباري ( الأصل الشريف) بالانخراط في خدمة الضريح والسهر على شؤونه . شخوص تختلف توجهاتهم وتموقعاتهم داخل رقعة مدينة مختلفة بتاريخ تتشكل فسيفساؤه  من مكونات تراثية وعقدية بطقوس تختزل عادات وتقاليد تبلورت وترسخت لتشكيل صرح هوية شامخة وعريقة لم تنل منها تقلبات الزمن وجوائحه : ” ذلك أن المدينة بشر وثقافة وعادات وتاريخ و تواصلات  وبعثات في الذهاب والإياب . كذلك مدينة مولاي إدريس زرهون خلية جسم وطني وعالمي” . ونظرا للقيمة النوعية والكمية لشخصيات الرواية سنقتصر على ذكر أسماء ساهمت في سيرورة أحداثها عبر إمساكها بدواليب تشكلها ، ودفة بنائها وتطورها كالفقيه بودومة ، وعلال الخياط ، والهوارية المجذوبة ، وسي نبهان ، والحاج حمدان ، وحدهوم ، والإسفنجي ، والجيار… ساهمت إلى جانب أمكنة ( هي أيضا متعددة ومتنوعة ) بعراقة تاريخها ، وسحر طبيعتها ، وزخمها الفني ( ملحون ، زجل …) والعقدي بتجلياته وطقوسه الروحية  السامية  في تشكيل نسيج الرواية ، والربط بين خيوطه . ومن الشخصيات التي تجسد علاقة لا تخلو من تباين ومفارقة شخصية حميد ومحسن : ” بين حميد ومحسن مفارقات كبيرة في الشخصية والسلوك … هكذا يتعاشر صديقان وتتمظهر المفارقة للناس بينهما” فمحسن الطالب الجامعي بحسه البراغماتي ، وتطلعاته النفعية يختلف عن حميد الذي يتحدد سقف مراميه حسب مرتكزات وقناعات وعي ينأى عن أي نزعة انتهازية وصولية  : ” يندهش محسن الشامي لهذه الهجمة غير المعهودة من طرف صديقه حميد ” .

والرواية بمقاماتها الستة عشر غنية ، إلى جانب وفرة الشخوص والأمكنة ، بتيمات عديدة ومتنوعة تتحدد ، على سبيل التمثيل ، في ما هو أسطوري غيبي كمحاورة الجن : ” فهو يستطيع محاورة الجن بها ” ،  وكسر شوكتها وهيبتها بالتحكم فيها : ” هكذا أصبح الفقيه بودومة عند كافة الناس صارع جن ” ، وتنقيب عن الكنز بطرائق ومستلزمات خاصة : ” الكنز يلزمه الزوهري وأصحاب الحال” ، وما هو ثقافي في تنوع أجناسه ، وتعدد ألوانه : “بين مناخ الاصطياف والثقافة المعاصرة الذي عاشته مدينة أصيلا و عاشه هو الآخر داخله سابحا بأفكاره وقناعاته بين محاضراتها ولوحاتها…” جانب يغدو أكثر غنى وعمقا بحضوره بين ثنايا الرواية كالزجل الذي لا تخلو منه جل مقاماتها : ” الحمام الطوبي اللي كان ساكن في العلالي به نعيش فمقام عالي هجر البرج… وخلاني حزين وسط الليالي ” مع إدراج بعض أمثال سيدي عبد الرحمان المجذوب المأثورة : ” سوق النسا سوق الاطيار تبين لك من الربح قنطار تبيعك راس مالك يا الداخل رد بالك” والأغاني في شقها الملتزم : ” غرفة أصبحت رفاقية ملتزمة بأغاني الشيخ إمام ومارسيل خليفة وقعبور” ، وشقها الطربي الكلاسيكي : ” يتم تلاقح الأجيال من خلال هذه الاختيارات الموسيقية بين تراث كلاسيكي عربي ، يتصدرها محمد عبد الوهاب أم كلثوم وفريد الأطرش وقصائد الملحون المتنوعة والملهمة …” ، وأيضا النموذج المغربي متمثلا في إبراهيم العلمي: ” بدأت معه أنغام طرب إبراهيم  العلمي في الراديو يا اللي صورتك بين عيني كيف يدير قليبي حتى ينساك…” .

وكما تتعدد وتتنوع الشخوص والأمكنة في منظومة سردية تتوالى وقائعها وفصولها في إيقاع متدرج منساب  تتعدد كذلك التيمات راسمة معالم أفق إبداعي تتنوع أساليبه ، وتتناوب أنماطه وأشكاله مكسرة خطية الحكي ، ورتابة صيرورته باستعمالات ذات طابع رومانسي حينا : ” جلسة هذا المساء الربيعية تفوح برائحة الزهور التي تحملها الرياح العليلة من أشجار البرتقال والليمون من البساتين المنتشرة على منحدر الوادي” لرسم لوحة زاهية المعالم والأشكال : ” تلبس الجبال والأحجار والأشجار هذا الفستان الذي يعطيها سمفونية نوعية وتحولا نهاريا” تغدو من خلاله جمالية الوصف أكثر إدهاشا وإبهارا : ” تعانق الطبيعة السماء وأشعتها ، وترتمي بسفوحها على منبسطات سهل خومان” ، وعرضه لأوضاع اجتماعية هشة ومعطوبة  أحيانا : ” أب مدمن  على تدخين مادة الكيف … وأم تعمل خادمة بمنازل بعض الأسر ” ، واللجوء ، في سياق تكسير نمطية السرد وخطيته دائما ، إلى التوسل بأسلوب النقد تارة : ” هؤلاء أرادوا إحياء طقوس الأضرحة من جديد ، تبارك الله ! بكري تطورنا!” ،وفي سياق آخر بنزعة تاريخية وطنية لا تخلو من هنات واختلالات  : “استحواذ غرباء على بطاقات المقاومة وادعاؤها أمام الناس ، بينما نجد المقاومين الحقيقيين كتموا أصواتهم حتى لا يتم التشكيك في شجاعتهم ونبلهم وحبهم لوطنهم ! ” أو السخرية طورا : ” ستجد الفخر ماشي الذهب” ، كما خصص مقاما من الرواية لمادة الكيف لانتشاره بين فئات عريضة من ساكنة المدينة حتى غدا جزءا من معيشهم اليومي : ” ومجموعة أدوات تباع وتشترى بالدكاكين لها ارتباط باستعمال وتدخين الكيف والقنب الهندي هناك (الشقف) و(السبسي) و(اللوحة)” ، بل تجاوز ذلك إلى مقام أرقى لما يحدثه من نشوة لدى مدخنيه مما بوأه  مقاما مرموقا داخل المجتمع في شتى مستوياته ومناحيه : ” هكذا هو الكيف ، حمولة تخديرية وعلاقات اجتماعية وحياة ثقافية وتجارية…”

تبقى رواية مقام سيدي امحمد بن قاسم بمكونات بنائها الفني والإبداعي الغنية والمتنوعة من الأعمال السردية التي تستدعي عدة مقاربات للإحاطة  بجوانبها المتشعبة ، وإضاءة مساراتها الحكائية في تقاطعاتها وتجاذباتها المنفتحة على آ فاق  حبلى بعمق دلالاتها ومراميها ارتباطا بفضاء مدينة زاخرة بإرثها التاريخي والحضاري والعقدي …  

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ الكتاب   : مقامات سيدي امحمد بن قاسم (رواية رقمية)

ــ الكاتب  : حسن إمامي

ــ المطبعة  : موقع نور الرقمي / 2021  

About Post Author