العالم الآن

جريدة عربية شاملة

في مديح اللعبة..!

في مديح اللعبة..!

في مديح اللعبة..!

كه يلان محمد

يعبرُ نمط حياة المرء عن طريقة التفكير ورؤيته للواقع وآلياته المُختارة لمُضاعفة الحيوية والمتعة في فرصته الوجودية، وما يهمهُ على هذا المستوى من كسر الجمود الذي يؤدي إلى تغول الملل، ونحن بصدد تناول هذا الموضوع لا بدَّ من الاعتراف بأن العوامل وراء تفاقم الشعور بالرتابة، قد تكون أكثر، وبالتالي أنَّ الانجراف مع الشحنات السلبية والحزن، يتحولُ إلى ظاهرةٍ لدى بعض التجمعات البشرية. وتستمرئ مكوناتها بالبساطة، البؤسَ ولا تقابلهُ سوى بالإسراف في بث الشكوى، وفي الحقيقة أنَّ هذا الموقف لا يسفرُ عنه إلا تراكم الأزمات الحياتية يوماً بعد يوم، كما أنَّ استنزاف الطاقات على هذا المنوال لا يتطلبُ روحية مُغامرة، لأنَّ الحياةَ ليست اختباراً بسيطاً، بل إنَّ تحملُ الحياة عسير على البشرية كلها، فما بالك على الفرد حسب رأي فرويد.
إذن تتمثلُ البطولةُ في صناعة الفرح، ونحت المتعة من جبل المعاناة. ومن الملاحظ أنَّ المجتمعات الخاملة لا تتحرك ضمن لعبة الاحتمالات، بقدر ما تعقد مصيرها على لواء اختيارات محدودة، إلى أنْ تغيبَ فرصة الانطلاق خارج المدارات المسدودة. وقد لا يصعبُ على المتابع رصد زحمة الحركات والكيانات السياسية المُلفعة بالشعارات الدينية والطائفية والعرقية، في المجتمعات الرازحة تحت وطأة التخلف والارتكاسات المتتالية. وكلما تعملقت الرموز السياسية يتهاوى المجتمع أكثر نحو قاع سحيق، وتستفحلُ الأزمات ويسودُ الركودُ في جميع ميادين الحياة. ولا تنتهي سلسلة خيبات الأمل بالمشاريع الكارتونية التي تسوقُ لها المنابر السياسية. والحال هذه فمن الطبيعي أن يصبحَ المكانُ بيئة طاردة لعقليات مبادرة. ولا يكونُ الحضورُ في العصر إلا مجازياً. وما يعمقُ أزمة هذه البيئات الخاوية هو عدم استفادتها من التجارب، بخلاف المجتمعات الحيوية التي تضيفُ إلى رصيدها العلمي والمعرفي، كلما اختبرت مواقف صعبة وتزيدها النوائب الطبيعية والبشرية قوة في الإرادة ومرونةً في العقل، فيما تتصاعدُ الخطاباتُ المستهينة بقيمة الحياة في السياقات الاجتماعية، التي تعاني من الرقود العقلي وتشهدُ تضخماً في التخويف والتنكيل الروحي.

استعارة

تسربت مفردة اللعبة إلى المفاهيم الفلسفية والصياغات العلمية، بوصفها استعارة للحياة أو المنظومة الكونية، لعلَّ من أكثر المقولات التي يتمُ تداولها للتعبير عن مراوغات الحياة، هو ما قاله الفيلسوف اليوناني هيراقليطس وهو يشبه الحياة بلعبة النرد «الزمن طفل يلعب النرد» ويمتدُ هذا التصور إلى معجم الشاعر الفرنسي مالارميه، الذي اختار عبارة «أبداً لن تلغي الصدفة رميةُ النرد» لإحدى قصائده المثيرة للجدل في الوسط الأدبي والفكري، وبدوره تناول الشاعر الفلسطيني محمود درويش المواضيع الوجودية، من منطلق رواقي في مسلته السيرية «لاعب النرد» إذ يستهلُ نصَه بجملة خبرية تحيلُ إلى منطق اللعبة الذي يتراوح بين الربح والخسارة، ويتموقعُ المتكلمُ ضمن هذا المضمار، فكونه شاعراً لا يعفيه من موجبات واقع اللعبة، وفيما يسترسلُ صاحب «لا تعتذر عما فعلت» في استعادة أجواء البيئة، التي نشأ فيها، مشيراً إلى بعدها التاريخي والديني، يستقبلُ أثيرُ نصه مفردة «صدفة» وهي من عناصر أجواء اللعبة، وتضعها في خانة اللامتوقع، يشار إلى أنَّ الفنانة اللبنانية هناء عبدالخالق، استوحت من قصيدة درويش ثيمة لوحتها المعنونة بـ»لاعبة النرد» كأنها أرادت من خلال تعديل المسند إليه الإبانة عن شغف المرأة بالمشاركة في لعبة الأحجيات الوجودية، ومتعتها الناجمة من الصدفة.

لذا فإن الفيلسوف الرواقي يوليوس كانوس، الذي أصدر عليه نيرون الحكم بالإعدام عندما دخل السجان على زنزانته لاقتياده إلى المشنقة. كان منهمكاً على لعبة الشطرنج، إذ قال لصديقه أنا متفوق عليك بنقطة إياك ان تغشني بعد موتي. إذن فإن كانوس أراد أن يستمتعَ حتى اللحظة الأخيرة، ولا يفسدُ عليه الموت المرح والخفة. ويقولُ شيلر «إنَّ الشعب الذي لا يلعب شعب مريض».

ويتشوقُ أنسي الحاج بأن يكون لعبةً في معادلة الحب، مخاطباً حبيبته «أُقسِمُ أنْ أكون لُعبتكِ ومغلوبكِ، أُقسِمُ أنْ أحاول استحقاق نجمتكِ على كتفي». من هنا يتم إدراك مؤدى الطاقة الاستعارية في كلمة اللعبة، والمشترك بينها وبين الحياة، ففي رأي الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، يحدثُ كل شيء بمنطق الصدفةِ وليس نتيجة للضرورة. وأشار الشاعر الروسي مايكوفسكي إلى أنَّ كتابة الشعر أشبه بلعبة الشطرنج. إذن تنداحُ دلالات اللعبة في نسق العمليات الذهنية وبنية الإشكاليات الوجودية والفلسفية، فقال أينشتاين رداً على دعاة فيزياء الكم وحتميتها، إنَّ الله لا يلعبُ النرد بالكون. وما غابت اللعبة باعتبارها صورةً للحياة في مظان النصوص الدينية، والغريب في الأمر أن التأويل السائد لمفردة اللعبة في السياق الديني، يكرسُ زخماً من إيحاءات مستهجنة للحياة، مع أنَّه بالإمكان أن تحملُ كلمة اللعبة على محملٍ يكشفُ ما تمتازُ به الفرصة الوجودية من التشويق والحيوية والإثارة، بدلاً من أن يُفهمَ من اللعبة معنى التفسخ والاستخفاف.

إشهار

اللعبة هي رديف الحياة، ومن أعراض المجتمعات الخاملة هو عدم تذوق جماليات اللعبة، إذ لا تكون الحياة لدى أفرادها سوى مشروع مؤجل وتفتقدُ إلى المرونة والحيوية على المستوى الفكري والسلوكي، وتقع في شرك الأزمات المزمنة جراء هيمنة العقليات المتشنجة، وتراكم الأوهام بشأن الحلول النهائية والفتح المبين، لكن كل ذلك لا يزيد الواقع إلا سوءاً وقتامةً، وحتى الاحتفاء بالحياة يبدوُ غير حقيقي في هذا المناخ. إذن الأيام راكدة ولا يوجدُ ما يعلنُ عن الرغبة العارمة لكسر الرتابة، سوى بعض التقاليد المعينة، وإذا قابلتَ بين عقلية المجتمعات الغربية وعقلية الكيانات الواقعة في مهب الخمول من منطلق آلية التعامل مع جائحة كورونا، تجد المساعي الحثيثة لعبور المرحلة الصعبة، والتفكير بالبدائل واللقاحات لدى العقلية الأولى، أما العقلية الثانية فتستغرقُ أكثر في الشعوذة، وتطلقُ صافرة نهاية العالم. ومن المعلوم أنَّ المسلك الثاني ما هو إلا ركون إلى الرثاثة في الرؤية لواقع الحياة، والتذاذ بالتهالك المعرفي والتخلف العلمي، وما يجبُ الالتفات إليه ونحن بصدد متابعة التباين الموجود بين نمطين من التفكير، إنَّ المجتمعات الغربية أعلنت العودة إلى الحياةِ بطريقتها الخاصة، إذ ما أن خفت موجة كورونا حتى دبت الحركةُ في الملاعب، وأقيمت بطولة الأمم الأوروبية لكرة القدم، وكانت هذه الدورة بمثابة إشهار لعودة الحياة، وانتصار للمرح والتنفس خارج الفضاءات المسكونة بالخوف. فإنَّ تزايدَ عدد الجمهور في المدرجات كان مؤشراً لقطع أشواط على طريق التعافي والصحوة من الركود الذي خلفته الهجمة الوبائية. إذن أصبحت الملاعبُ رمزاً للشغف بالحياة وعندما بدت مهجورةً تصاعد الشعور بوطأة الجائحة. وما أضاف بعداً سيميائياً لبطولة يورو 2020 هو فوزُ إيطاليا، فمن المعروف أنَّ هذا البلد من بين أكثر مناطق العالم تضرراً أثر تفشي فيروس كورونا، وتحول إلى بؤرة وبائية معزولة، فكان النهوض من واقع مثقل بالخسارات الروحية والمادية، يتطلبُ تعويضاً معنوياً نفسياً، وليس الانغماس في البكائيات، وهذا ما تم تحقيقه في المستطيل الأخضر.
عليه فإنَّ اللعبة من مظاهر الحياة المعاصرة والمتحضرة تلبي المتعة الروحية والنفسية، لذلك فإن نجوم الرياضة في المجتمعات الحيوية يحظون بشعبية أكبر من الرموز السياسية، بخلاف ما هو سائد في المجتمعات السقيمة، حيثُ الانضواء تحت ألوية الحزب والطائفة والقومية، يقطع الطريق على إرادة الحياة والوثبة العقلية، فبعض المجتمعات العربية مثل تونس ومصر، تمكنت من كسر شرنقة الولاءات التقليدية، وبذلك توفرت الفرصة لصعود رموز خارج الحلبة السياسية، وحققت حضوراً لافتاً من خلال أسماء رياضية، أنس جابر ومحمد صلاح وميار شريف. فالاختراقات التي سجلتها الدول الكائنة في الهامش كانت من خلال الرياضة، ومن ثم الفن والأدب. فتألقت قامات في الملاعب أمثال صامويل إيتو، وديدييه دروغبا، والآن محمد صلاح. ما يجدرُ بالذكر أنَّ عدداً من المفكرين والمبدعين كانت لهم اهتمامات باللعبة، لعل كامو ونجيب محفوظ من أبرزهم كذلك تشيرُ هنرييت عبود في كتابها «أيامي مع جورج طرابيشي» إلى أن شريك حياتها كان يحتفلُ عندما يفوزُ في لعبة الورق، ومن جانبه ذكر المفكر اللبناني علي حرب، في سياق حوارٍ صحافي بأنَّه يحبُ متابعة لعبة المضرب، لاسيما بنسختها الأنثوية لافتاً إلى جمالية حركة الجسد وإيماءاته المعبرة. فلن تشهدُ الحياة تحولاً قبل إجراء التغيير في الرؤية للمعطيات وآليات التأويل إذن فمن الضروري أن لا يُفهم وصف الحياة باللعبة على أنَّه احتقار لفرصتنا الوجودية فإنَّ فلسفة اللعبة تستمدُ قيمتها من القبول ببداهة جدلية البداية والنهاية وإمكانية الانطلاقة من الجديد، إضافة إلى أن من مواصفات اللعبة هي التشويق والخفة والعيش في اللحظة. لذا فإن الفيلسوف الرواقي يوليوس كانوس، الذي أصدر عليه نيرون الحكم بالإعدام عندما دخل السجان على زنزانته لاقتياده إلى المشنقة. كان منهمكاً على لعبة الشطرنج، إذ قال لصديقه أنا متفوق عليك بنقطة إياك ان تغشني بعد موتي. إذن فإن كانوس أراد أن يستمتعَ حتى اللحظة الأخيرة، ولا يفسدُ عليه الموت المرح والخفة. ويقولُ شيلر «إنَّ الشعب الذي لا يلعب شعب مريض».