العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

لهذا ترك الحصان وحيدا...! جريدة العالم الآن العالم الآن

لهذا ترك الحصان وحيدا...! جريدة العالم الآن العالم الآن

في حضرة غيابه.. محمود درويش !

بانة عبدالله ماضي

منذ ما يقارب الأسبوعين كنت قد كتبت شيئا ما على واحدة من صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي وحدثت جرّاءها مشادّة في النحو والصرف بيني وبين أحدهم، وحين أراد هذا الأخير إنهاء النقاش المحتدم لصالحه همّ قائلا:” أنت لا تعرفين الصواب، وكونك كاتبة مقال لا يجعل منك محمود درويش في اللغة.” لا زلت أذكر حتّى اللحظة شدّة انفعالي ودرجة حرارتي التي قاربت المئة حين سمعت هذا الكلام وكان ردّي:” ليس من الضروريّ أن أكون محمود درويش حتى أتكلم في اللغة، وإذا كان لا بد من ذلك فإنّ جينات محمود درويش اللغوية حتما بداخلي، فكلانا فلسطينيّ من سفوح جبل الكرمل، ولا أحد أحق مني به.” وإن كنا قد نزلنا عن الكرمل قسرا فعلينا أن نحفظ الكرمل فينا.

ربّما كنت حادّة الطبع حينها، ولكنني فور ردّي عليه، شعرت بإحساس غريب ينتابني، كانت هذه المرة الأولى التي أَلْتَفِتُ فيها إلى ما يجمعني بدرويش، عدا كونه شاعرا، وكوني قارئة للنص نفسه. للحظة شعرت باعتزاز بلغت به عنان السماء، ووعدت نفسي حينها أن أكتب وأكتب وأكتب بلا توقف، وأن أبحث في اللغة ما استطعت فأجعل من اسمي وحروفه قيمة تليق بالأرض والشعراء الذين أنتمي لهم تاريخيا ووجدانيّا.

وما دمت سأكتب وأكتب وأكتب فليس أقلّ من أن أكتب لشعراء الأرض في كلّ مناسبة أستطيع اقتناصها لأستذكرهم، وأذكّر بهم، والمناسبة اليوم هي ذكرى ميلاد أحدهم، إنه درويش نفسه، ابن إحدى قرانا الخضراء المدفونة التي استعصت عليها القيامة فأقامت لنفسها من نفسها شاعرا. ذاك الصبي الشقي الذي نبت من أرض كنعان كما تنبت الخبيزة والهندباء حول بئر الدار معلنة بداية ربيع جديد.

ولا سبيل لإحياء ذكرى شاعرنا إلا بإحياء كلماته المنثورة كاللّيلك المضيء على صفحات كتبه وفي قلوب محبيه ولبلوغ الغاية انطلقت من آخر محطة في رحلته، من كتابه “في حضرة الغياب” ، آخر عمل مكتمل له قبل رحيله بضربة “قمر” على أرض القارة الجديدة؛ فهذا الكتاب ووفق تعبير الإندبندنت “كتاب صغير ضخم” لما يعج به من خبرات الشاعر الحياتيّة التفصيلية مكتوبة بطريقة سرد شعرية، وذهب بعض النقاد إلى أنّه مذكرات كتبت على شكل مقالات بسرد ونسق نثريين.

 يضم هذا العمل الأدبي نصوصا مختلفة، يحمل كلّ نصّ فيه رقما وليس عنوانا، وفي الكتاب واحد وعشرون نصا يغطي أحداث حياة الشاعر الحاضر الغائب بدءا من نظرته الطفولية البريئة إلى مأساة النكبة الفلسطينيّة، وانتهاء بسنواته الأخيرة في مدينتي رام الله وعمّان وتفاصيل عبوره وتفتيشه الدائم على جسر نهر الأردن الذي كان له وقعه الكبير في نفسه. بيد أن العمل رغم تعدد النصوص وأرقامها متصل وجوديا ووجدانيا.

 وإنّني لأعي تماما حساسيّة أن أكتب مطوّلا في سؤال الهويّة لشخصيّة تعدّ من أكثر الشخصيات التي أسهمت في تشكيل وصياغة ذاكرتنا الفردية والجمعية على حد سواء. شخصية خلقت مفهوما جديدا للهوية والمكان. وحمت القلب الفلسطيني من التلف خلال كل ما تعرض له من خيبات سياسة وثقافية ومجتمعية. شخصية رسمت بحروفها أبعادا فلسفية لماهية اللجوء ورمزية المخيم المكتظ بخراريف الجدات الفلاحات؛ فغاصت عميقا في بحر مهيب عبثا اتسع أن يكون وطنا، وما انفك يموج بتحرشات أسئلته في ذكريات راكبيه من المهجّرين علّهم أوجدوا صيغة تفاهم مع ماض ثقب القلب في حاضر لا جواب فيه. ولكن كيف لي أن أكتب؟ كيف لي أن أجيب عن السؤال الذي حيّر الفلاسفة ؟ سؤال الهوية الثقيل . . . “السؤال الذي أقعد الفراشة عن الطيران”.

 ومع ذلك كلّه سأخطو الخطوة وأكتب؛ فأنا على يقين من أنه لو قُدِّر لدرويش أن يكون بيننا اليوم لأخذ بيدي، ليس لأنني علّامة في اللغة والسّرد، لكن لمجرّد أنني فتاة من الجيل الثالث للنكبة، جيل لم تطأ قدماه “أرض الحكايات الصغرى والكبرى”، ولم يتغلغل هواء بحر حيفا في خصلات شعره، أو يتمشى على شاطىء عكا متأملا فتاياتها الصغيرات الجميلات وهن يروين القصص والحكايا لبعضهن في هيام. لكن برتقال يافا لا زال فكرة تضيء ليله منذ مواجهة إبليس للمسيح تحت سماء أريحا المظللة بالنخيل المبارك حتى يومنا الذي لا سقف له ولا ظل.

لا زال في جيلنا جيل ثائر باحث عن إجابة للسؤال. جيل لم يزل يعمل بوصيته له حين قال: “عليك أن تدافع عن حروف اسمك المففكّة كما تدافع القطة عن جرائها”، وها أنا ذا ولو كان دفاعي كلمة صغيرة بقلم رصاص وممحاة، لكني أعمل جاهدة كي أخُطّ بهما فكرة . . . ومضة . . . أو حتى دمعة عصيّة على المحو من الذاكرة مراوغة للعبة النسيان.

 فترانا نلمح في عنوان الكتاب الفلسطينيّين الذين هُجّروا قسريّا من أراضيهم وبيوتهم في نهاية العام 1947 بسبب المجازر الصهيونية آنذاك، وقد استطاع بعدها جزء منهم العودة بشكل سريّ وغير قانونيّ للأراضي الفلسطينيّة ليجدوا أنفسهم في منفى داخل الوطن.

عندما يعيش الإنسان على أرضه التي يملكها تاريخيّا وشرعيّا، ويصبح في نظر السياسات الإسرائيلية خارجا عن القانون، عندها يتحول الوطن إلى منفى، وتنقلب المفاهيم في لحظة. درويش كان كذلك، فهو ليس إلا مقيما غير شرعيّ على أرضه ومسقط رأسه. فأصبح حاضرا ملء الغياب في الثامنة من عمر بريء عندما قررت عائلته العودة إلى فلسطين، وقد توقف عند هذه المرحلة من حياته في واحدة من أشهر مقابلاته قائلا: “لم نستطع العودة إلى قريتنا؛ فأقمنا لاجئين في قرية فلسطينيّة تدعى (دير الأسد). كان يطلق علينا لقب (لاجئين) على أراضينا لعدم تمكنّنا من إصدار هويّات وأوراق ثُبوتيّة قانونيّة؛ ذلك أنّ عودتنا إلى البلاد لم تكن شرعيّة، ممّا يعني أنّنا كنّا نُعدُّ (حاضرين غائبين)، حاضرين فيزيائيّا بأجسادنا، غائبين قانونيا؛ فلا أوراق رسميّة تثبت هذا الوجود، سرقت أراضينا ثمّ أقمنا عليها لاجئين.”

   “في حضرة الغياب” تتسع كلمة الوطن لتعني البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى ثم تضيق بأبنائها الذين اقتلعوا من الأرض وأصبحوا لاجئين، وأصبحت المرأة الأمّ الحصن الحصين في وجه العدم،بعد أن بتروا ماضي الفلسطيني عن حاضره، يقول:

 تذكر مع اسمك أمّك

 وانس حروف الهجاء

 تذكّر بلادك وانس السماء

تذكّر تذكّر

لقد غدت المرأةُ الأمُّ والجدّةُ والصديقةُ والحبيبةُ معادلا للأرضِ والوطنِ والوجودِ بأكمله. أصبحت وقود الكلمات التي كانت ولا زالت أساس الصراع التاريخي على أرض الشاعر الفلسطيني والفلسطيني الشاعر.

وإلى جانب المرأة عائلة حملت على عاتقها تشكيل جوهر الإنسان الفلسطيني وصون إرثه الثقافي والاحتفاء بإبداعه وشعره الذي وصلت أصداؤه وأوجاعه أصقاع الأرض.

يبحر الكتاب أيضا في النفس البشرية ما بين فكرتي ومفهومي الحياة والموت، والإحساس بالخسارة والفقدان؛ ليصطحبنا في رحلة لاستكشاف (أنا) الشاعر نفسه، مرورا بالكثير الكثير من الذكريات والصور والمشاهد والأماكن والأغاني والجنائز التي لا تتوقّف الذاكرة عن استحضارها وعرضها كشريط فيلم سينمائي ذو “بأس وبؤس” يمرّ أمام ناظريه مهما ابتعد زمانيّا عن مأساة النكبة وتداعياتها التي بصمت كالوشم على الروح والجسد.

  “مهما نأيْتَ ستدنو، ومهما قُتِلْتَ سَتَحْيا، فلا تظنّ أنّك ميّت هناك وأنك حيّ هنا؛ فلا شيء يُثْبِت هذا وذلك إلا المجاز، المجاز الذي درّب الكائنات على لعبة الكلمات، المجاز الذي يجعل الظلّ جغرافيا، والمجاز الذي سَيَلُمُّكَ واسمك، فاصعد وقومك أعلى وأبعد مما يُعِدّ تراث الأساطير لي ولك …. اكتب بنفسك تاريخ قلبك منذ إصابة آدم بالحب حتى قيامة شعبك.”

  تأتي هذه العبارات المحمّلة بمعاناة وتطلعات كل من يحمل هوية الأرض المقدسة والمنبوذة في آن، ففيها يعبر الشاعر عن إيمانه العميق بشعبه، وحقّ هذا الشعب المقاوم بكلّ بقعة على هذه الأرض المباركة. يوثّق الشاعر أيضا الأمل الفلسطينيّ اللانهائيّ بحقّ العودة، هذا الأمل النابع من قناعة الشاعر الراسخة بأنّ ظلال أجساد أبناء شعبه لا زالت حيّة باقية على أرضها الأولى حتّى بعد التهجير والنفي؛ لأن الوجود الإنسانيّ أعمق من أن يُحصَر بالمعنى الفيزيائيّ للكلمة، بل يتعدى هذا المفهوم الضيّق ليصل إلى وجوديّة الظّلّ؛ فالظّلّ دليل قويّ لا شكّ فيه على الوجود، الظلّ بَصْمة الجسد، الظلّ رابطٌ ما بين الجسد والتراب.

يبدأ درويش نصّه هذا مُناجيا نفسه، مذكّرا إيّاها وشعبه بأنه وعلى الرّغم من بُعدهم الجغرافيّ عن أرض الوطن إلّا أنهم لايزالون قريبين منها، وأقرب ممّا يظنون، ومهما عانوا من تشتيت وقتل وتنكيل وظلم سيبقون أحياء؛ لأنّه لا يوجد شيء قادر فعليّا على قتل روحهم المؤمنة بملكيّتهم لهذه الأرض، وليست الآلام والمآسي إلا دافعا إضافيّا للتشبّث بالقضيّة واللغة.

 ثم ينتقل الشاعر ليذكّر شعبه بوجوده على أرض فلسطين من خلال ظلالهم الحيّة هناك، ظلالهم التي بقيت خلفهم تنتظر عودتهم بعد أن هُجّروا قسرياّ قبل ما يفوق السبعة عقود. إنّ نظرة الشاعر للوجود ليست إلا نظرة حمراء ملتهبة كجراح الحبيب المترامية على سفوح الجليل، نظرة مفعمة بالحياة الملوّنة بلون أغصان الزيتون تحت خيوط شمس إبريل الذهبيّة، هي نظرة الأبي الشامخ شموخ الفرس العربية الأصيلة. حياة يستمدها الشاعر من إيمانه بقوة اللغة والكلمة كإيمان الراهب في صومعته وابتهال الشيخ في ليلة القدر “فلا شيء يثبت هذا وذلك إلا المجاز”؛ لأن المجاز خيال، الخيال شعر، وكلّما ازداد هذا الخيال خصوبة ازداد عمقا وتأثيرا ليخرج نتاجا أدبيّا في غاية الصدق والقوّة.

 في يوم من الأيام سيكبر هذا المجاز ليتعدّى كونه وسيلة للتعبير عن النفس، وليصل بالفلسطينيين إلى نقطة تحوّل تقلب المشهد فتجعل من هذا الشعب المنكوب أسطورة حيّة، وحينها فقط سيُعيد هذا الشعب العظيم كتابة التاريخ المرئي وغير المرئي كما عاشه. سيكتب التاريخ منذ بداية الخلْق ووقوع أبينا آدم في حبّ أمّنا حوّاء وحتى القيامة؛ فالقيامة هي قيامة شعب أرض النبيين بانتصارهم العظيم على كلّ صهيونيّ دنِس، في تلك اللحظة تحديدا يتّحد الفيزيائي والمجازي، يتّحد الجسد بظلّه مُعلنين مولد عهد جديد وقيامة جديدة من أرض القيامة.

لهذا كلّه وأكثر سُمّي محمود درويش شاعر الأرض المحتلّة؛ فلقد خلق بشعره حالة لغوية عبقريّة استثنائيّة في الأدب العربيّ المعاصر؛ فمنهجيّته في الحب والفلسفة والحياة بملهاتها ومأساتها وشحذ الآمال والطاقات وروح المقاومة صنعت منه أنموذجا للنضال السلميّ النبيل، ورمزا ومثلا أعلى لكلّ فلسطينيّ في الداخل المحتلّ ولكل عربي على هذه الأرض.

محمود درويش قاوم الاحتلال باللغة والكلمة فصارأيقونة في الإنسانيّة والوطنيّة والحبّ والكفاح لكلّ إنسان حرّ أينما كان وكيفما كان، وصار اللاجىء الصغير شاعرا كبيرا يُسمع العالم بأسْرِه حقيقة الهوية والرواية، “فبأي آلاء ربكما تكذبان” . . .