العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

د. بشار نرش | تحولات المشهد العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري

د. بشار نرش | تحولات المشهد العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري

د. بشار نرش | مقاربة الغزو الروسي لأوكرانيا وفقاً للمنظور التركي

لم يكن حياداً، بقدر ما كان مقاربة استراتيجية، تقوم على قراءة واقعية للمعادلات على رقعة الشطرنج الأوراسية، هو ذا الموقف التركي، الذي جاء ضمن معادلة لعب دور الوسيط في أزمة تحمل من وجهة نظر أنقرة بعض الفرص على الرغم من المخاطر الكبيرة التي قد تنتج عنها.

منهجياً، استندت المقاربة التركية للغزو الروسي لأوكرانيا بشكل عام إلى ثلاث ركائز أساسية أولها، التأكيد على سيادة واستقلال أوكرانيا ورفض الاعتداء الروسي على دولة مستقلة ذات سيادة، ومن هذا المنطلق رفضت أنقرة الاعتراف بانفصال جمهوريتي دونتسيك ولوغانسك عن أوكرانيا التي أعلنت عنه روسيا قبل يوم واحد من غزوها للأراضي الأوكرانية، تماماً كما رفضت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، كما أعلنت موقفها برفض الغزو الروسي ووصفته بالعمل الحربي، ورفضت الحجج التي استندت إليها روسيا لتبرير الغزو، مع تأكيدها الدائم على سيادة واستقلال ووحدة أراضي أوكرانيا، حتى إنها منعت وصول السفن الحربية إلى البحر الأسود عبر المضائق التركية ، وقامت في وقت ٍ سابقٍ بتزويد أوكرانيا بطائرات مسّيرة هجومية، لكنها حرصت في نفس الوقت على النأي بنفسها عن العقوبات كي لا تحرق الجسور مع موسكو حفاظاً على الركيزة الثانية التي تقوم على عدم الصدام مع روسيا بحكم العلاقات الوثيقة التي تربط الدولتين من خلال العديد من الملفات الإقليمية المشتركة في سورية وليبيا وأذربيجان، لذلك فإن تركيا وعلى الرغم من أدانتها الصريحة للغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أنها لم تنخرط في أي أعمال عدائية ضد روسيا، ولم تشارك الغرب في العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وامتنعت عن التصويت على قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس أوروبا.  

طبعاً، في إطار هذه الركيزة تعمل تركيا في نفس الوقت إلى الحفاظ على مكانتها في حلف الناتو، وعلاقتها مع الدول الغربية للاحتفاظ بأوراق سياسية تُجيز له الاستفادة منها في ملفات إقليمية متعددة، لا سيما الملف السوري، وكذا الملف الليبي، خاصةً أن تركيا تدرك بأن طبيعة الأزمة الروسية الأوكرانية، وسياق تطوراتها ونتائجها، ستؤسس في نهاية المطاف، لحالة من الضغط قد توظفها الولايات المتحدة الأمريكية، تُجاه شركاؤها الإقليميين والدوليين، بُغية وضع روسيا تحت سياسة الضغوط القصوى، كل ذلك في سياق ما تسميه واشنطن المواجهة المصيرية مع روسيا، لذلك يُرجّح أن تستمر تركيا في مقاربتها القائمة على الحفاظ على نهج الإدانة الحازمة للغزو الروسي مع السعي للعب دور الوسيط للتفاوض ووقف الأعمال القتالية، مع استبعاد انخراطها في فرض عقوبات على روسيا أو قطع العلاقات معها لأن ذلك سيُلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد التركي.

الركيزة الثالثة، إبقاء القنوات مفتوحة مع الطرفين حفاظاً على المصالح المشتركة معهما، فتركيا من خلال هذه الأزمة وجدت نفسها عالقة بين البلدين، فمن جهة علاقاتها التاريخية والاقتصادية الوثيقة مع أوكرانيا والقابلة للنمو والتطور أكثر، ومن جهة أخرى علاقاتها المتشعبة واعتمادها على روسيا الذي لا غنى عنه وخصوصاً في مجال الطاقة، لذا برزت السياسة الخارجية التركية في هذه الأزمة مغردة خارج السرب الغربي، بهدف ضمان استمرار علاقاتها المتميزة مع الدولتين الجارتين لها، ورفض التحيز لإحداهما دون الأخرى، وهي السياسة التي أهلتها – دون غيرها – للقيام بدور الوسيط النزيه، الذي يسعى بجدية إلى إيجاد حل عملي ومنطقي يفضي إلى وقف كامل لإطلاق النار، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية لبحث النقاط الخلافية التي أدت إلى نشوب هذه الأزمة.

انطلاقاً من ذلك تسعى تركيا من خلال قراءاتها الواقعية لهذا الغزو، إلى الإبقاء على هامش مناورة، يسمح لها بعقد تفاهمات وإطلاق مبادرات تُحقق لها المصالح، وتُجيز لها التكيف مع أي مستجدات ومنعكسات إقليمية ودولية، جراء استمرار هذه الأزمة الناتجة عن هذا الغزو، فإذا تعثّر الغزو الروسي بطريقة ما وتمكنت أوكرانيا من الحفاظ على استقلالها، فستحتفظ تركيا بمكانتها في الناتو وستواصل الانخراط في التعاون الاقتصادي مع كل من أوكرانيا وروسيا، أما إذا نجحت روسيا وفشل الناتو في حماية أوكرانيا، فلابد لتركيا من أن تعيد حساباتها الإقليمية طويلة الأجل لتكون متوافقة مع ذلك، وهذا ما يشبه تماماً سياسة “الحياد النشط” التي طبقتها تركيا في الحرب العالمية الثانية، حينما اتخذت لنفسها موقعاً يضعها في الجانب الفائز في النهاية، دون المخاطرة كثيراً قبل أن تُحسم الأمور.  

بالمحصلة يمكن القول إنّ المقاربة التي تعتمدها تركيا حيال الأزمة الروسية الأوكرانية، تنطلق من محددات تُجيز لها الإفلات من أي التزام سياسي أو عسكري، سواء مع واشنطن أو موسكو، وبذات التوقيت، تُبقي قدرتها على القيام بدور الوسيط والوصول إلى كافة أطراف النزاع، حاضرة وفاعلة ومؤثرة، بما يضمن لها استمرار تعاونها مع روسيا في العديد من الملفات الإقليمية المشتركة، وكذا محاولة إقناع الغرب والولايات المتحدة بالرغبات التركية، وقد استطاعت تركيا حتى اللحظة، تحقيق تلك المقاربة، لكن تبقى هناك هواجس تركيا جمّة، وتحديداً فيما يتعلق بتغيير موازين القوى الدولية والإقليمية واتجاهها بما يتعارض مع مصالح تركيا وخصوصاً من ناحية روسيا التي تمسك بالعديد من الملفات المزعجة لأنقرة بداية من ملف إمدادات الغاز والسياحة وصولًا إلى ملف إدلب ودعم الجماعات الكردية الانفصالية، وكذلك المخاوف من الآثار والتداعيات السلبية للحرب على الاقتصاد التركي، في ظل تصاعد معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات أسواق الغذاء وقطاع السياحة.