العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

د. بشار نرش | تحولات المشهد العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري

د. بشار نرش | تحولات المشهد العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري

د. بشار نرش | تحولات المشهد العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري

لا شكّ أن المشهد السياسي العراقي قبل استقالة نواب التيار الصدري من البرلمان، لن يكون كما بعده، فاستقالة 73 نائباً من التيار الصدري على ضوء توجيه زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، يعدّ تحولاً مهماً في مسارات الحراك السياسي القائم في الساحة العراقية طيلة الشهور الثمانية المنصرمة، فهذا القرار وفي هذا الوقت بالذات سيكون له انعكاسات وترددات كثيرة على المعادلة السياسية العراقية وعلى كافة الأصعدة، سيّما أنه سيضع الجميع أمام خيارات صعبة، فتركيبة البرلمان سوف تتغير لجهة صعود 73 نائباً جديداً عوضاً عن نواب التيار الصدري سيكون عدد كبير منهم محسوب على “قوى الإطار التنسيقي” خصوم الصدر، كما أن التوازنات البرلمانية سوف تتغير لجهة تشكيل تحالفات واصطفافات جديدة بديلة للتحالفات التي كانت قائمة قبل استقالة نواب التيار الصدري.

وعلى الرغم من تباين آراء المحللين إزاء تلك الخطوة وتداعياتها على العملية السياسية، وفيما إذا كانت ستصب في صالح استقرار الوضع السياسي أم إنها ستعمّق الأزمات التي يعيشها العراق، يمكن الحديث عن جانبين رئيسين سيكونان الأكثر حضوراً في تحولات المشهد السياسي العراقي بعد استقالة نواب التيار الصدري.

الجانب الأول يتعلّق بمصير البرلمان، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل سيتمكن البرلمان بتشكيلته الجديدة بعد استقالة نواب التيار الصدري من تخطّي مرحلة الانسداد السياسي، وبالتالي التئام جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بالنصاب الدستوري المطلوب، ومن بعدها تحديد الكتلة البرلمانية الأكبر الموكلة بتسمية رئيس الوزراء؟

طبعاً هذا السؤال يفتح الباب موارباً للعديد من التكهنات، والتي أهمها أن البرلمان قد لا يتمكّن من عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لسببين اثنين، الأول عدم تحقيق النصاب الدستوري المحدد  لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا الأمر قد يتحقق في حال قرر نواب “تحالف السيادة” والحزب الديمقراطي الكردستاني البالغ عددهم 98 نائباً، ونواب حركتا “الجيل الجديد” و”امتداد” المدنيتان اللتان أيدتا فكرة حل البرلمان البالغ عددهم 18 نائباً، ونواب مستقلين من المؤيدين لموقف الصدر البالغ عددهم 11 نائباً، الامتناع عن حضور جلسة انتخاب الرئيس، وبالتالي عدم تحقيق النصاب الدستوري نتيجة تغيّب أكثر من ثلث عدد أعضاء البرلمان من حضور الجلسة.

السبب الثاني تقديم مجموعة من الكتل البرلمانية المتعاطفة والمتحالفة مع الكتلة الصدرية استقالتها من البرلمان كمقدمة لحل البرلمان العراقي والذهاب نحو انتخابات برلمانية مبكرة جديدة، وفي هذا الإطار تتحدث بعض الأطراف العراقية أن بعض الكتل البرلمانية كحليفي التيار الصدري في تحالف “انقاذ وطن” نواب “تحالف السيادة” ونواب الحزب الديمقراطي الكردستاني الذين أصبحت خياراتهما محدودة بعد استقالة نواب التيار الصدري، وكذلك كتلتا “الجيل الجديد” و”امتداد” اللتين سبق أن طرحتا هذا الموضوع قد تحذو حذو الكتلة الصدرية وتقدم استقالتها من البرلمان، الأمر الذي يعني الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة جديدة بعد حل البرلمان.

الجانب الثاني يتعلّق بتحدي تشكيل الحكومة الجديدة، وهو تحدي كبير سيواجه قوى “الإطار التنسيقي” في حال تمكّنها من تمرير جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، والتحدي هنا ثلاثي الأبعاد، البعد الأول يتعلق بالتوافق على الشخصية التي ستتولّى منصب رئيس الحكومة، والبعد الثاني يتعلق بشكل الحكومة، أما البعد الثالث فيتعلق بشكل التوازنات الجديدة التي ستقوم عليها العملية السياسية ككل بعد اختلال التحالفات القديمة.  

طبعاً هذا الأبعاد الثلاثة تضع قوى “الإطار التنسيقي” أمام أربعة خيارات أحلاها مر، فإما الذهاب نحو تشكيل الحكومة بمعزل عن التيار الصدري وبالتالي تحمّل قوى الإطار التنسيقي المسؤولية كاملة أمام الشارع العراقي بما فيه أنصار التيار الصدري، وهذا الموضوع يثير انقسام داخل قوى “الإطار التنسيقي” بين فريقين متناقضين، أو تقديم تنازلات للصدر والقبول بخيار الأغلبية الوطنية التي كان يطالب بها طيلة فترة الثمانية أشهر المنصرمة، أو الطعن بقرار استقالة نواب الكتلة الصدرية أمام المحكمة الاتحادية من أجل إبقاء الأوضاع مشلولة سياسياً، أو الذهاب نحو حل البرلمان العراقي ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة جديدة.

في حصيلة ما سبق، من المتوقع أن لا يكون قرار نواب التيار الصدري بالاستقالة الفصل الأخير في سيناريو تشكيل الحكومة، فهذا القرار لن يكون بالضرورة بداية لنهاية الانسداد السياسي في البلاد، إذ أن مآلات المشهد السياسي في العراق ستبقى مفتوحة ومتعددة ومعقّدة، فخطوة التيار الصدري بالانسحاب من العملية السياسية ككل وإغلاق أغلب المؤسسات والمكاتب التابعة للتيار توحي بما لا يقبل الشك أنّ العراق مقبل على توازنات جديدة ستقوم عليها العملية السياسية، سيكون محورها الأساسي الصدر وليس قوى “الإطار التنسيقي”، فزعيم التيار الصدري من خلال توجيه نواب تياره إلى الاستقالة يبدو أنه يخطط للقادم الأمر الذي يوحي أن المشهد السياسي العراقي سيكون مفتوحاً أمام سيناريوهات كبيرة، ولو أنّ هذا المشهد الجديد يحتاج وقتاً قبل أن يتبلور بصورته الكليّة.