العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

بيلوسي و"ثيوسيديديز" وحتمية الحرب بين أميركا والصين

بيلوسي و"ثيوسيديديز" وحتمية الحرب بين أميركا والصين

بيلوسي و”ثيوسيديديز” وحتمية الحرب بين أميركا والصين

رزان شوامرة-

بيلوسي و”ثيوسيديديز” وحتمية الحرب بين أميركا والصين

شاعت، أخيرا، تحليلات بشأن إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية بين الصين وأميركا بعد إعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عن رغبتها في زيارة تايوان، وهي الزيارة التي تمّت أول من أمس. ووفقًا للنظرية الواقعية في العلاقات الدولية، الحرب بين الصين وأميركا حتمية، ولكن ليس بفعل هذه الزيارة، بل بفعل الصعود الصيني بحد ذاته، وما بثه من خوف في الداخل الأميركي.

شغل صعود الصين تفكير منظّري العلاقات الدولية في واشنطن بشكل خاص، وأبرزهم من يمكن تسميتهم “أحفاد ثيوسيديديز”، مؤرّخ الحروب اليونانية، والذي يعتبره بعضهم مؤسّس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية. تبعًا للواقعية، النظام الدولي فوضوي، أي تغيب عنه السلطة المركزية القادرة على فرض إرادتها على الدول. ولا تؤمن بدور كبير للمؤسسات الدولية، وتعتبر أن الدولة هي الفاعل الرئيسي في النظام الدولي.

وتركّز على القوة العسكرية لأهميتها في تحديد مكانة الدولة النسبية في النظام الدولي، مقارنة بالدول الأخرى. ويرى الواقعيون أن هذا الواقع يفرض ثلاثة أنماط من السلوك على الدول في النظام: الاعتماد على الذات، والخوف، وزيادة القوة العسكرية (يُحدِث معضلة أمنية Security Dilemma).

عاش ثيوسيديديز قبل 2500 عام، ودرس أسباب الحرب الكبرى بين أثينا وإسبرطة، وكان أساسها الخوف، فقال: “كان لصعود أثينا والخوف الذي بثه ذلك الصعود في إسبرطة هو ما جعل الحرب بينهما أمرًا حتميًا”. لاحقًا، اعتمد “أحفاد ثيوسيديديز” إلى حد كبير على تحليله في دراسة العلاقة بين الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة والصين بوصفها قوة صاعدة لإعطائنا صورة عن مستقبل العلاقة بين الدولتين.

وتوصلت دراسة أشرف عليها غراهام أليسون في جامعة هارفرد لعام 2017 بعنوان: “مشروع فخ ثيوسيديديز” إلى أن تاريخ العالم شهد 12 حالة ضمن 16 حالة من الصراع بين قوة مهيمنة وأخرى صاعدة أفضت إلى حربٍ عالمية. ويتفق أحفاد ثيوسيديدز (أبرزهم ستيفن والت، جون ميرشايمر، وغراهام أليسون، وهنري كيسنجر) على حتمية الحرب بين واشنطن وبكين، بفعل ثلاثة أسباب رئيسة: الصين قوة صاعدة، الأهداف الصينية تتوسع، والمعضلة الأمنية تتكثف.

في عام 2010، صنفت الصين لأول مرة ثاني أكبر اقتصاد عالميًا بعد الولايات المتحدة

أولًا، القوة الصينية تتصاعد .. تتميّز العلاقة بين الدولتين بحقيقة أن الصين آخذةٌ في الصعود. وبالتالي، لن تستطيعا تجنب الوقوع في “فخ ثيوسيديديز”. وعلى حسب تقديرات ميرشايمر، لا يمكن إدارة العلاقة فيما بينهما. ويتفق ميرشايمر وفريد زكريا على مبدأ التحوّل من “الثروة إلى القوة” في صعود الدول.

ففي عام 2010، صنّفت الصين لأول مرة ثاني أكبر اقتصاد عالميًا بعد الولايات المتحدة، وأصدرت في العام نفسه “الخطة الخمسية الثانية عشرة،” وهدفت إلى الحصول على التكنولوجيا المتطوّرة في جميع المجالات، وأهمها العسكرية، لكي تحاكي قوتها الاقتصادية، ومنذ ذلك الوقت، تصنّف الصين ثاني أكبر دولة عالميًا في الإنفاق العسكري. وجد زكريا أن القادة الصينيين سعوا عقودا إلى التحديث السريع من خلال المبادرات الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية الضخمة وبرامج الهندسة الاجتماعية، واستطاعت تحويل دولة فقيرة زراعية إلى قوة عظمى عالمية، تتطلب الآن حسابًا مع العالم.

ويعلق رئيس الوزراء الأسترالي، كيفن رود، على الصعود الصيني قائلًا: وكأن الثورة الصناعية البريطانية، وثورة المعلومات العالمية، قد انفجرتا في توقيت متزامن، وانضغطتا في 30 عامًا فقط، لا في ثلاثمائة عام.

ثانيًا: الأهداف الصينية تتوسّع .. توسّعت الأهداف الصينية منذ 1978 بشكل تدريجي، من تحسين الداخل، للسيطرة الإقليمية، ومن ثم الذهاب إلى العالمية. داخليًا، تبنّت الصين التحديثات الأربعة في عهد دينغ (الزراعة، والصناعة، والتعليم، والدفاع). وهنا يقول أليسون “عندما صعدت أميركا قوة عظمى في النظام الدولي في سنوات النمو الكبير ما بين عامي 1860 و1913، كان معدل متوسط النمو السنوي 4%.

أما الصين، فإن متوسط معدل النمو السنوي 10%.” ووضعت الصين خططا متعدّدة لتطوير الأرياف والقضاء على الفقر، وبحلول عام 2020 أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ رسميًا نجاح الصين في القضاء على الفقر. وتعدّ الصين اليوم مصنع العالم الرئيسي، على سبيل المثال لا الحصر، فهي أكبر منتج للسفن والصلب والألمنيوم والأثاث والغزل، وأكبر مصنع وسوق للسيارات، وأكبر سوق للهواتف المحمولة، وأكبر ساحة للتجارة الإلكترونية، وأكثر دولة مستهلكة ومستوردة للبترول.

ستكون حرب بين أميركا والصين، لكنها، على الأغلب، ستكون تجارية أو سيبرانية، وإذا اندلعت مواجهة عسكرية من الممكن أن تكون محدودة

إقليميًا، يرى ميرشايمر أن الصين “تقلد العم سام” في سعيها إلى الهيمنة على آسيا، كما هيمنت واشنطن على جزيرة غرب العالم (القارّة الأميركية). بحريًا، كالكاريبي المهيمن عليه أميركيًا، استطاعت الصين أن تسيطر على 80% من بحر الصين الجنوبي المتنازَع عليه، والذي يعدّ أهم الممرات المائية في العالم، ويمر عبره 60% من التجارة الدولية، ويحتوي على مصادر طاقة تقدرها الصين بـ 17 مليار طن من النفط. وبرّيًا، استطاعت الصين أن تربط دول آسيا الوسطى بعلاقات ثنائية ومتعدّدة، عبر ضمها إلى منظمة شنغهاي.

وتشكّل مساحة دول المنظمة حوالي 40 مليون كيلو متر مربع من مساحة العالم، أي ما يقارب مساحة الولايات المتحدة بأربع مرّات. ويقدر تعداد سكانها بأكثر من 3,44 مليارات نسمة، أي حوالي 42% من سكان العالم، ورفضت طلب أميركا للانضمام. وبعد ثلاث سنوات من إنشائها، أعلنت عام 1999 الصين إستراتيجيتها going global، والتي رسّخت فيها فكرة الصعود الصيني السلمي.

وبحلول عام 2009، أنشأت الصين منظمة البريكس، والتي ضمت الدول الأسرع نموًا في العالم: روسيا والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل. وتنبع أهمية هذه المنظمة في محاربتها هيمنة الدولار، إذ تعتمد في تجارتها الدولية على نظام المقايضة أو العملات المحلية. وفي عام 2013 أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن أهم مشروعين في القرن الحالي: البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وطريق الحرير.

ومؤشّر بسيط على فعالية البنك ومنافسته للبنك الدولي، أنه استثمر عام 2020، عشرة مليارات دولار على 45 مشروعًا في 28 دولة، بينما استثمر البنك الدولي ستة مليارات دولار على 30 مشروعًا في 16 دولة. أما طريق الحرير، فأهميته في أن الصين تصبح مركز التصدير العالمي، وبالتالي يدعم الهدف النهائي للصين في أن تصبح “الأمة الأعظم” حسب خطة شي الإستراتيجية لعام 2049. وتعقيبًا على المشاريع الصينية الدولية، يشير أحفاد ثيوسيديديز إلى أن الصين تسعى إلى إنشاء ملعب اقتصادي دولي خاص بها منافس لمؤسسات بريتن وودز الأميركية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.

ثالثًا، المعضلة الأمنية تتكثف.. تعزّزت المعضلة الأمنية بين بكين وواشنطن من جهة، وزاد سباق التسلح بين الصين والدول المجاورة لها من جهة أخرى، منذ تبنّى باراك أوباما إستراتيجية التوجه نحو آسيا Pivot to Asia لـ “إعادة التوازن” في الإقليم، ردًا على تصاعد النفوذ الصيني.

وبحسب الواقعية، الدولة المهيمنة على إقليمها (الولايات المتحدة اليوم)، تسعى جاهدة إلى منع أي دولة أخرى من أن تحذو حذوها (الصين) في أن تصبح مهيمنة إقليميًا في منطقة أخرى. ولذلك، تسعى واشنطن إلى الحفاظ على توازن القوى في آسيا، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها أن تحافظ على قوتها النسبية وبقائها قوة أحادية مهيمنة.

توسّعت الأهداف الصينية منذ 1978 بشكل تدريجي، من تحسين الداخل، للسيطرة الإقليمية، ومن ثم الذهاب إلى العالمية

قال الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في 2017، في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، إن العالم يشهد عودة إلى تنافس القوى العظمى، وإن الصين هي دولة تحريفية Revisionist states، أي ترغب في تغيير بنية النظام الدولي، وتهديد المكانة الأميركية.

وأطلق بايدن استراتيجية “الردع المتكامل” لتعزيز التعاون العسكري مع الدول الآسيوية لاحتواء النفوذ الصيني. وهناك ثلاثة مظاهر للمعضلة الأمنية في الإقليم: أولًا، صفقات السلاح، قامت الولايات المتحدة خلال العقد الماضي بتوقيع صفقات سلاح بمليارات الدولارات مع الدول المجاورة للصين، ومنذ بداية العام الحالي إلى غاية الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، عقدت أميركا تسع صفقات مع كل من: أستراليا وفيتنام واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وإندونيسيا. ثانيًا، دعم المناطق التي ترغب بالانفصال عن الصين عسكريًا وسياسيًا: تايوان والتبت وهونكونغ والإيغور.

ثالثًا، إجراء مناورات عسكرية مع حلفائها في الإقليم: تايوان، أستراليا، كوريا الجنوبية، واليابان. رابعًا، إنشاء تحالفات عسكرية، مثل حلف أوكوس AUKUS مع كل من بريطانيا وأستراليا. وسمحت واشنطن لكانبرا لأول مرّة في تاريخها ببناء غواصات تعمل بالطاقة النووية باستخدام التكنولوجيا العسكرية المتطورة الأميركية، الأمر الذي وصفته الصين بأنه “تصرّف غير مسؤول، والتمسّك بعقلية الحرب الباردة”.

وعلى الرغم من كل ما سبق، هناك أربعة تساؤلات مهمة، من الممكن أن تحدّد ما إذا كانت الدولتان ستقعان في فخ ثيوسيديديز بسبب تايوان حصرًا أم لا. أولًا: عندما انسحبت القوات الأميركية من أفغانستان، قال بايدن: “الديمقراطية الأفغانية لا تستحقّ أرواح الأميركان”. وعليه، هل تستحق الديمقراطية التايوانية أرواح الأميركان؟ وهل يستطيع بايدن أن يقنع الجيش والشعب الأميركي بخوض حرب مع الصين لأجل تايوان؟ ثانيًا، لم تستطع أميركا في حروبها العسكرية مع كل من فيتنام والعراق وأفغانستان أن تحقق نصرًا حاسمًا عندما كانت في ذروة قوتها ضد دول نامية، فكيف ستكون نتيجة الحرب مع دولة صاعدة كالصين، وهي تعاني من أزمات عديدة، وهل تستطيع أميركا والصين أن تتحمّلا تكلفتها؟ وثالثًا، في العقلية الصينية، الحرب هي الوسيلة الأخيرة في السياسة الخارجية.

وهي دولة صاعدة تحتاج إلى الاستقرار الأمني، خصوصا في إقليمها الجغرافي، لتعزيز مشاريعها الاقتصادية العالمية، هل ستخاطر الصين بخوض حرب عسكرية ستؤدّي إلى تدمير ما أنجزته منذ أربعين عامًا؟ وأخيرًا، الصين هي الشريك التجاري الأول لحلفاء أميركا في آسيا والعالم: أستراليا، واليابان، وإسرائيل، وكندا، والاتحاد الأوروبي، والهند، فهل ستكون الحرب بين الغرب والصين، أم أميركا والصين؟ ستكون هناك حرب، ولكن، على الأغلب ستكون تجارية أو سيبرانية، وإذا اندلعت مواجهة عسكرية من الممكن أن تكون محدودة، ولن تكون حربًا عالمية لأجل تايوان، على الأقل في الوقت الحالي.

About Post Author