العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

قراءة في خلفية الانقلاب العسكري في غينيا

قراءة في خلفية الانقلاب العسكري في غينيا

الفسيفساء الإثيوبية و العودة للأصل

الكاتب وليد وفيق – العالم الآن :

من خلال النظر إلى التركيبة العرقية في إثيوبيا يمكننا أن نرى أن البعد العرقي والقبائلي لاعبا مهما وأساسيا لم تجد منه حكومة أديس أبابا فكاكا.

إن دولة أثيوبيا الفيدرالية قد تتجه إلى تفكيك شامل، وأنها قد تواجه مصيرا مشابها لمصير يوغسلافيا السابقة، والتي تفككت إلى 6 أقاليم منفصلة، إضافة إلى حكم ذاتى لإقليم كوسوفو وهو الأمر ذاته، والذي ربما تنتهى لمثله إثيوبيا فى المدى المنظور، خصوصا مع سياسة رئيس الوزراء الإثيوبي آبى أحمد، الذى تولى رئاسة وزراء إثيوبيا في سنة 2018، ورغبته الجامحة فى فرض ما يتصوره قومية إثيوبية واحدة، والقفز فوق التنوع الذي يتكون من نحو ثمانين عرقية وقومية مختلفة، تسكن كل منها فى جغرافيا تخصها بغير إندماج حقيقي.

 كان تقدير الموقف الذي قدمه المبعوث الأمريكي لإثيوبيا في تقرير طويل للإدارة الإمريكية بقيادة بايدن، يشير في تفاصيله إلى المصير المنتظر لأثيوبيا، وما ينطوى عليه الوضع من نزعات إنفصالية وسيولة وضعف داخلي من الحكومة المركزية في أديس أبابا، التي تسعى إلى دعم دولي في مواجهة الحرب الداخلية التي تعصف بإثيوبيا، والتي تزايدت مضاعفاتها العسكرية والإنسانية مع القتال في إقليم تيجراي،التى كانت في بداياتها فى نوفمبر 2020 تبشر آبي أحمد بالنصر، لكن لم تمضى سوى بضعة شهور على الإنتصار السريع فى حرب أهلية، وبمعونة عسكرية ظاهرة من الرئيس الإرتيري آسياسى أفورقى، مقابل تنازل آبي أحمد عن منطقة بادمى الحدودية والمتنازع عليها لصالح إريتريا، التى كانت قد إنفصلت بدورها عن النسيج الإثيوبى قبل 30 سنة خلت، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي لم يسعد بسقوط ميكيلى عاصمة إقليم  تيجراى، إذ إختفى قادة وجنود الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى عن الأنظار، وأعادوا تنظيم صفوفهم، ثم عادوا بعد شهور ووجهوا الضربة القوية لكل من  رئيس الوزراء الإثيوبية آبى أحمد والرئيس الإرتيري أسياسي أفورقى، وسيطروا على الإقليم من جديد، وزادت إنتصاراتهم يوما تلو الآخر، وتجاوزوا حدود إقليمهم المتصارع عليه، حتى شمل نطاق عملياتهم العسكرية إقليمى الأمهرة وعفار وحيدوا الطرق والسكك الحديدية التي يتم الإعتماد عليها في حركة التجارة والنقل إلى دولة چيبوتى وميناءها المهم، والذي هو المنفذ البحرى الإستراتيچي، الذي لا غنى عنه لإثيوبيا، التى أصبحت دولة غير بحرية وحبيسة بعد انسلاخ إريتريا المطلة بسواحلها على البحر الأحمر عن الجسد الإثيوبي، ثم تقدمت قوات إقليم التيجراى لما هو أخطر، وسقطت فى أيديهم مدينة بعد أخرى داخل إقليم الأمهرة، والذي هو بإمتياز الخزان البشري الكبير، الذي يعتمد عليه رئيس الوزراء الإثيوبي لتزويد جيشه بما يلزمه لمواصلة القتال ومع توالى خسارة المعارك بدت ملامح التفكك داخل إقليم الأمهرة ذاته، خصوصا مع تفشى المجاعات والمجازر الجماعية، بعد إستيلاء قوات التيجراى وبغير قتال على مدينة لاليبيلا، وهى أهم أقداس المسيحية الإثيوبية، وفيها أكثر من 10 كنائس تاريخية مهمة وتعتبر معالم سياحية ودينية وتراثية، والتي جرى نحتها داخل الصخور بأشكال بديعة يبلغ عمرها 900 عام، وهى مزار للمسيحية الأرثوذكسية الإثيوبية، التى هى الحبل السري الرابط بين قوميتى الأمهرة والتيجراى.

لمحاولة فهم ما يجرى هناك، لابد أن نستعين بالماضي، الذي لم تكن فيه دولة معروفة بإسم إثيوبيا، بل كان هناك مملكة محدودة الجغرافيا بإسم مملكة أكسوم يعود تاريخها ونشأتها إلى سنة 980 قبل الميلاد، وفى وقت متأخر بدأ ظهور تكوينات إمبراطورية بدءا من عام 1137 الميلادى،وإلى أن ظهرت أثيوبيا بشكلها المعروف مع الإمبراطور مينليك الثانى، في أواخر القرن 19 فى هيئة أكثر إتساعا، والملفت إنها لم تتعرض إلى إستعمار أو إحتلال أوروبى مزمن كغيرها من الدول الأفريقية، إلا لفترة 5 سنوات  بين عامى 1936 و1941، عندما إحتلها الإيطاليون خلال معارك شرق أفريقيا، وتركوها  مع توالي هزائمهم فى الحرب العالمية الثانية،  وعقدت بريطانيا التى كانت منتصرة في الحرب العالمية الثانية إتفاقا مع الأثيوبيين، أدى إلى عهد الإمبراطور هيلا سلاسى الذى بدأ سنة 1944، حتى إنتهاء عهده وقتله سنة 1974، ومع توسع أديس أبابا فى ضم عرقيات أخرى حولها، وهو ما ورثه نظام منجستو هيلا ميريام الشيوعي، الذى تميز حكمه بالإستبداد، وبدعم ضخم من الإتحاد السوڤيتى حينئذ، وإلى أن ضعف نظامه وتراخت قبضته مع  تفكك الإتحاد السوڤيتي، مثلما حدث  فى أفغانستان واليمن الجنوبى، والصومال أثناء حكم الرئيس سياد برى، إضافة إلى الجفاف والمجاعات التى حاصرت إثيوبيا فى ثمانينيات القرن العشرين، وكانت النتيجة مفجعة للحكم الشيوعى، مع فرار منجستو هيلا مريم إلى زيمبابوى، وبدء صفحة مختلفة من تاريخ إثيوبيا  إنتقل فيها الحكم من عرقية الأمهرة لأول مرة إلى عرقية التيجراى، التى قادت حربا أهلية لإسقاط منجستو، ومعه حكم الأمهرة، وإن كانت لم تستطع منع إنفصال إريتريا، حتى برز اسم إبن إقليم التيجراى ميليس زيناوى زعيما لإثيوبيا، والذي وعد بفيدرالية جديدة، تأخذ فيها كل الأعراق المكونة للنسيج الإثيوبية حقوقها، وجرى تقسيم إثيوبيا إلى 9 أقاليم، وإضافة إقليم خاص بالعاصمة أديس أبابا، التى بدورها مقتطعة جغرافيا من إقليم الأورومو، وهو أكبر الأقاليم سكانا، وفيه ما يزيد على ثلث إجمالى سكان إثيوبيا، وأغلب سكانه من المسلمين، فى حين يتركز المسيحيون فى إقليمى الأمهرة والتيجراى وعدد سكانهما معا يكاد يساوى عدد سكان أبناء قومية الأورمو، الذين شكلوا عبئا مزمنا لحكم التيجراى، زادت حدته إلى تفاقم حروب عصابات أهلية، كانت سببا فى ضعف سيطرة التيجراى، الذين حكموا لمدة 27 عاما، ثم جاء هيلى ميريام ديسالين خلفا لحكم ميليس زيناوى، الذى توفى عن عمر يناهز 57 سنة عام 2012، ومن دون أن تشهد البلاد بعده إستقرارا حقيقيا، وبما دفع بالجبهة الديمقراطية الثورية الحاكمة إلى إختيار وتصعيد آبى أحمد رئيسا للوزراء، الذي هو من أب يعود نسبه لقومية الأورومو، ومن أم من قومية الأمهرة، ثم أنه متزوج من أمرأة أمهرية مسيحية أرثوذكسية، بينما إتجه هو إلى المسيحية البروتستانية، وإنضم إلى الكنيسة الخمسينية الأمريكية، وبدأ تكوينه الدينى مغريا بتقبله عند دوائر الغرب الأمريكى والأوروبى، ثم بدا تكوينه المختلط عرقيا كأنه عنوان مصالحة أثيوبية، أغراه بلعب دور الإمبراطور الجديد لإثيوبيا، وفض عنه تعاطف الأورومو و أغلب حركاتهم السياسية والمسلحة، وقذف به إلى حضن الأمهرة، وقد رغبوا معه فى إستعادة ملكهم الضائع، وشجعوه على إنهاء سيرة جبهة الأعراق، وتحويلها إلى حزب موحد باسم الإزدهار الأثيوبى، وإنشاء قومية إثيوبية جامعة، من وراء تحقيق حلم عن سد النهضة، وقدرته على خلق إثيوبيا مزدهرة بدلا من إثيوبيا الفقيرة المعتمة بنصف سكانها فى الظلام، لكن ما جرى تحول بسرعة، حتى أشتعلت النار تحت قدميه، وتوالت حروب الأعراق المكونة للفسيفساء الإثيوبية، من قلب إقليم الأورمو الأكبر، وإلى أقاليم عفار والصومال وهرارى وغيرها، وأغلب سكانها من المسلمين، إضافة إلى ما جرى ويجرى إنطلاقا من إقليم تيجراى ورغبة زعمائه فى طرد آبى أحمد وإستعادة الحكم، أو الإنفصال عن إثيوبيا كلها، بعد أخذ ما يمكن أخذه منها عسكريا، وهو الأمر الذي دفع آبى أحمد إلى تعبئة أخيرة شاملة، يجمع فيها شتات جيشه المشتت، ويجند كل من بلغ سن الرشد من سكان كل الأقاليم التى تبقت معه، بهدف كسر شوكة التيجراى، ومن دون أمل يلوح في الأفق بفوز عسكرى أكيد هذه المرة، يريحه من غزوات التيجراى، ومن الذى حدث ويحدث فى إقليم بنى شنقول، وهو إقليم عربى سودانى مسلم بأغلب سكانه، إقتطعه البريطانيون المحتلون سابقا، ومنحوه لإمبراطور إثيوبيا مينليك الثانى فى اتفاقية 1902، مقابل إمتناع أثيوبيا عن إقامة سدود عند أعالى النيل الأزرق، وهو الإتفاق الذي أطاحت به إثيوبيا المعاصرة، من ميليس زيناوى إلى آبى أحمد، وبنت سد النهضة على أراضى بنى شنقول، التى ينتفض أهلها اليوم لتحريرها من الإحتلال الإثيوبى المتقادم، وتحقق حركاتهم المسلحة إنتصارات ملموسة، آخرها تحريرهم  لمدينة كماشى.

المحصلة أن عملية تفكك أثيوبيا جارية، وبأسباب وإنفجارات ومشاكل داخلية أساسا، قد تلعب دورا لصالح السودان ومصر المهددتين بعواقب سد النهضة، كما إنها تلقي بظلال قاتمة على مستقبل منطقة القرن الإفريقي، والتي تعاني من عدم الإستقرار، الأمر الذي سيزداد تأثيره في حالة تمزق إثيوبيا إلى أقاليم متنافرة كما كانت في الأصل لا يربطها رابط جامع ومصيري واحد. فهل تشهد إثيوبيا تفكك عرقي يعيدها إلى بدايتها الأولى؟