العالم الآن

– جريدة عربية شاملة –

السفير منجد صالح | من طين بلادك لُطّ خدادك

السفير منجد صالح | من طين بلادك لُطّ خدادك

السفير منجد صالح | في يوم استشهادها شيرين تُزهر مزيدا من الشيرينات

 

 

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

الزهرة التي لم تذبل أبدا شيرين أبو عاقلة، فالزهر في بلادنا لا يذبل وانما يتفجّر في عزّ تورّده وعنفوانه.

شيرين أبو عاقلة الزهرة الجميلة الكبيرة العريقة  تفجّرت في عزّ ايناعها، بفعل رصاصة غادرة من قناص احتلالي غادر،تمّ تغييبها جسدا  وهي في القمّة، تجاور “نجمات درب التبّانات” في سماء فلسطين وقت الحصاد.

الزهرة الكبيرة الجميلة في نفس يوم استشهادها أزهرت ثلاث زهرات صغيرات، طفلات حديثة الولادة، دفع حبّ شيرين أهاليهنّ إلى تعميد ثلاثتهن باسم شيرين، نجمة فلسطين.

يوم استشهاد شيرين على ثرى مخيّم جنين سيكون تاريخ أعياد ميلادهن السنوي، اعياد ميلاد الطفلات الفلسطينيّات الثلاث، بنات كلّ من:  “المواطن ثائر دويكات من بلاطة البلد ومحمد مسلم من بيت لاهيا وجمال حربي عمران من بورين- المقابلة لمستوطنة يتسهار الكريهة المتعصبة-، الذين أصرّوا على تسمية زهراتهم باسم شيرين التي يفوح عطرها وشذراتها النديّة على طول وعرض الوطن، من شماله حتى جنوبه، ومن مياهه حتى مياهه.   

أصبحت شيرين أبو عاقلة وبعد يوم فقط من استشهادها في مخيم جنين أيقونة وطنية وعالمية.أيقونة للصحافة في كل مكان وربما في كل زمان.

الصوت، صوت الحقيقة، التي ارادت اسرائيل، بكل بطشها وغطرستها واجرامها، اسكاته تفتّق عن آلاف الحناجر ومئات آلاف الأصوات العالية الصارخة في وجه الاحتلال البغيض بانه لا مكان له في بلادنا وعليه ان يرحل وان ينتهي العالم ويستريح من آخر احتلال في هذا الزمان، احتلال جمع في احشائه “الزبدة” السوداء الداكنة لكل الاحتلالات السابقة، وتفوّق عليها وبزّها باجرامه وبطشه وعدوانيّته السافرة المُنفلتة من عقالها.

سقطت شيرين أبو عاقلة مضرجة بدمائها برصاصة احتلاليّة غادرة، على ثرى مخيّم جنين الذي تعرفه جيّدا ويعرفها جيّدا، وهي تقوم بعملها كالمعتاد، عملها الصحفي في نقل الحقيقة كما فعلت دائما.

شيرين أبو عاقلة بعملها وتفانيها ومهنيّتها العالية وتهذيبها المُضطرد، ودماثة خلقها وصوتها الهادئ الواثق دخلت كل بيت في فلسطين وفي الوطن العربي كمراسلة للجزيرة في فلسطين، دخلت قلوب الملايين من المشاهدين ولاحقا العاشقين لرسائلها المصورة المبثوثة المذيّلة دائما ب: “معكم شيرين أبو عاقلة، الجزيرة، فلسطين….

لكن الجيش الاسرائيلي تعامل معها بالرصاص، الرصاصة مقابل الصوت الرخيم، الرصاصة مقابل الكلمة، الرصاصة مقابل الكاميرا، الرصاصة مقابل الحقيقة، الرصاصة مقابل شيرين ذاتها!!!!!

سقطت على تراب مخيم جنين فبكت عليها طيور الصباح، وبكت عليها طيور المساء، بكتها نساء المخيّم اللواتي اختبرن صدقها وانسانيّتها وتفانيها في عملها ووطنيتها.

حملها شباب المخيم والفدائيون والمقاومون على أكفّهم وسواعدهم واكتافهم وطافوا بجسدها في شوارع وأزقة وأحياء المخيّم ومدينة جنين.

ومن هناك انطلق موكب شيرين الجنائزي الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ فلسطين، وربما ولا في دول اخرى. انطلق وسار من اقصىى شمال فلسطين إلى اقصى جنوبها، من جنين إلى القدس عاصمة فلسطين الابدية، مرورا بنابلس ورام الله ومجموعة كبير من القرى على طول طريق سير موكب الجنازة، على مدى ثلاثة أيام متواصلة من الأعراس الوطنية، عرس عروس فلسطين الشهيدة شيرين أبو عاقلة، ابنة القدس ابنة فلسطين كلّ فلسطين.

اخترق الموكب بعد مدخل جنين الجنوبي “مثلّث الشهداء”، شهداء الجيش العراقي الذين سقطوا دفاعا عن فلسطين وعروبتها عام 48.

ألقت شيرين عليهم التحية والسلام… شهيدة فلسطينية جديدة تلقي السلام على شهداء عراقيين عتق.

وفي مدخل مدينة نابلس، في وادي التفاح ألقت الشهيدة شيرين أبو عاقلة التحية والسلام لروح الشهيد البطل المقدّم صالح عبدالله شويعر، الضابط البدوي الاردني قائد معركة المدرعات في وادي التفاح في حرب عام 67، شهيدة فلسطينية تلقي التحية والسلام على ذكرى شهيد أردني… فلسطين تجمع الشهداء العراقيين والاردنيين والفلسطينيين، ان شاء الله في جنّات الخلود.

ومن نابلس إلى رام الله سلك موكب شيرين الجنائزي طريقه محفوفا بالمواطنين من القرى والمخيمات ينثرون الورود على نعشها، وينثرون حبهم واحترامهم لها.

في رام الله شُيعت شيرين بمراسم جنازة عسكرية. وقد منحها الرئيس الفلسطيني محمود عباس”بوست مورتوم”، بعد الشهادة، وسام نجمة القدس، ارفع وسام فلسطيني…. ابنة القدس تحوز على نجمة القدس، نجمة يُزيّن صدرها نجمة.

يوم الجمعة، يوم دفنها في القدس ووداعها الاخير كان يوما مشهودا، كان يوما تاريخيّا، كان عرسا فلسطينيا وطنيا بامتياز.

جيش الاحتلال بكل صفاقته وغطرسته وقمعه أراد أن يُطفأ وهج حب الفلسطينيين لشيرين، لكن النتيجة كانت عكسية، فقد اتقد حبها في نفوس الآلاف المؤلّفة الذين تداعوا من كل حدب وصوب للمشاركة في جنازتها ووداعها، بالاعلام الفلسطينية في كل مكان وفي كل لحظة وبالهتافات التي تمجّد الشهيدة شيرين. كانت جنازة وطنية عالمية بامتياز رغم أنف المحتل ومحاولاته البائسة اليائسة لردع المشيّعين المحبّين لشيرين.

وكانت شيرين بحق نجمة فلسطين، نجمة تلألأت في سماء المجد والشهادة .

رحم الله شيرين رحمة واسعة وأسكنها فسيح جنّاته، والهم أهلها وذويها ومحبيها والشعب الفلسطيني قاطبة الصبر والسلوان.

انا لله وانا اليه راجعون.

 سيبقى صوت شيرين أبو عاقلة يتردد دائما:” معكم شيرين أبو عاقلة الجزيرة فلسطين”…..